مسابقة القصة القصيرة

قصة: رماد . مسابقة القصة القصيرة بقلم / وعد صبح . سوريا

الاسم والشهرة : وعد صبح
البلد: سوريا
للتواصل رقم الواتس:
0949156329
هاتف 0949156329
اسم صفحتي على فيس بوك: وعد صبح
رابط صفحتي على فيس بوك
https://www.facebook.com/profile.php?id=100009224306041
المجال:
القصة القصيرة بعنوان “رماد”

رماد

_اممم، اللّٰه.. كم أنتِ شهيّة!
همسَتْ جوليا لقهوتِها الساخنةِ وهيَ تصبُّ فنجانينِ متوسطَيِّ الحجمِ وتستمتعُ بالرائحةِ الزكيةِ التي ملأتْ أنحاءَ البوفيه.
هكذا يبدأُ يومُها في الوظيفةِ عادةً.
توجهَتْ إلى مكتبِها ووضعَتْ أحدَ الفناجينِ على مكتبِ زميلتِها سماح ثم بدأتْ باحتساءِ خاصتِها بمتعةٍ لاتوصفُ حين بادرَتْها سماحُ :
_ذلك الموظف الجديد “سامر”
بِلامبالاةٍ مصطنعةٍ:
_مابِهِ؟
_منذُ متى تعرفينَه؟
_أنا لمْ أعرفهُ من قبلُ.
_لكنهُ سألَ عنكِ باهتمامٍ واضحٍ ؟!
باللامبالاةِ المصطنعةِ ذاتِها رفعت جوليا حاجبيها مستنكرةً وزمّتْ شفتَيها كما لو أنها استغربَت الأمرَ ثمّ هزَّت رأسَها قائلةً:
_ لا أعلمُ، ربّما أمرٌ العملَ..
_ أمم ربما، لكنني مصرةٌ على أنّه بدا مهتماً..
لمْ يظهرْ على وجهِ جوليا أيُّ انفعالٍ أو ردةِ فعلٍ تذكرْ، فقد كانت هادئةً متحكمةً بمشاعرها وأعصابِها دوماً، كما كانت تتمتعُ بثباتٍ انفعاليٍّ عالٍ لم يخنْها يوماً على ماتَذْكرُ.
برهةٌ من الصمتِ عبرَتِ الجوَّ، إذِ انشغلتْ سماحُ بعملِها وهي ترتشفُ في هدوءٍ قهوتَها بينما ابتعدتْ جوليا بأفكارِها بعيداً إلى زمانٍ مضى ومكانٍ آخرَ مزدحمٍ بالضجيجِ والفوضى:
فوضى مشاعرِها التي هاجَتْ لسؤالِ صديقتِها وضجيجُ ذكرياتِها التي لاتفتأُ تصرخُ في وجهِ حاضرِها الرتيبِ دونَ توقفٍ..
ماذا يريدُ؟
كيفَ يسألُ عنّي في مكانِ العملِ؟ ولماذا؟
‌أيعقلُ أن يخطرَ ببالِه أنّني قَد أسامِحُهُ؟ أو أشتاقُ إليهِ ؟ ولو كان ذلك صحيحاً فماذا سأفعلُ عندَها؟كيف أجيبُهُ؟ ربما عليّ إخبارُه أنني نسيتهُ ونسيتُ كلَّ ماكانَ وأنَّ حياتيَ اليومَ مليئةٌ بالتفاصيلِ والأشخاصِ المهمينَ حتى لم تعدْ تتسعُ لوجودُهِ فيها ولو كذكرى ..
ألمْ يلاحظْ هذا الأبلهُ أنني لمْ أُعرْ وجودَه أيَّ اهتمامٍ منذ انتقلَ إلى فرعِنا ؟…
_جوليا ..جوليا..مابك؟ سأغسلُ الفناجينَ .. يبدو أنكِ شردتِ مجدّداً وبردَتْ قهوتُكِ، سأُعدُّ لكِ غيرَها، آه هذهِ أنتِ لا تتغيرين أبداً..
لمْ تجبْ جوليا صديقتَها طبعاً، لكنَّها رمقَتْها لثانيةٍ مع ابتسامةٍ باردةٍ وعادتْ تغوصُ في أفكارِها وأوراقِها ..
للمرةِ الأولى لاتستطيعُ كبحَ جماحِ تساؤلاتِها
حاولَت أنْ تشغلَ نفسَها بالعملِ لكنْ عبثاً، فوجههُ يلاحقُها بينَ الأرقامِ والأوراقِ وأسماءِ المراجعينَ
ويكادُ يخرجُ من بين الخطوطِ والكلماتِ، يخطرُ لقلبِها أن يلحقَ به ويسألهُ : ماذا تريدُ منّي بعدَ كلٍّ هذا العمرِ الطويلِ ؟
سيناريوهاتٌ كثيرةٌ شغلتْ عقلَها الصغيرَ المتعبَ: كأنْ تمنعَهُ منَ الحديثِ معَها أمامَ الزملاءِ؟ أو قد تكتفي بتجاهلهِ فقطْ ؟
تُرى هل من المسموحِ لها بعدَ كلّ هذهِ السنواتِ أنْ يتحدثا بأمورٍ خاصةٍ؟
وماذا لو طلبَ منها لقاءً أو حاولَ الاعتذارَ أو الرجوعَ إليها ولو كصديقٍ؟
سؤال تلوَ الآخرِ حتى كادتْ تفقدُ صوابَها
انهارَ رأسُها بينَ يديها المتكئتينِ على طاولةِ المكتبِ بعدَ أنْ أرهقتهُ بأسئلتِها.
كانَ عليها أنْ تضعَ حداً لكلِّ هذا الضياعِ فهي الآنَ لا تصلحُ للعودةِ إلى مامضى _حتى لو كانَتْ تريدُ ذلك _
مرّتْ بضعُ دقائقَ وهي على حالتِها هذهِ قبلَ أن تعيدَها سماحُ لوعيِها:
_هيا غاليتي هذا فنجانٌ جديدٌ لذيذٌ وساخنٌ آخرُ
لو سمحتِ لا تدعيْهِ يبردُ ثانيةً ،اتفقنا!
_اتفقنا!
وضعتٔ جمجمتَها بين الأوراقِ وغاصتْ في الأرقامِ والأسماءِ مجدداً لكنّها هذهِ المرةِ تبدو منهمكةً في العملِ بالفعلِ.
بعدَ قليلٍ..
يقاطعُها صوتٌ مألوفٌ، بل مألوفٌ جداً..
_صباحُ الخيرِ آنسةُ جوليا.
عبقَ بأنفاسِها عطرٌ تعرفهُ جيداً، وبذاكرتِها صورٌ لا تنساها، إنّه الماضي الذي تهربُ منه بكلّ جمالهِ، ولطالما خافت أن تصادفه، إنه هو، بذاته، بحضورهِ، بكليتهِ.
هذه هيَ اللحظةُ.. هذا هوَ الوقتُ المنتظرُ.
الآن عليها أن تنهالَ عليهِ بكلِّ ماجمعتهُ خلالَ السنينَ الماضيةِ من غضبٍ وخيبةِ أملٍ، عليهِ فقطْ أنْ يبدأَ حديثهُ معها أولاً.
رفعتْ جوليا رأسَها المشوّشَ حتى التقتْ عيناها بذلكَ الدفءِ الذي لطالما لجأتْ إليهِ في أكثرِ لحظاتِها تعاسةً، تمالكتْ كلَّ مافيها لتتمكنَ منَ الردِّ:
_صباحُ الخيرِ..
ردتْ أعماقُها:
_صباح الخير!!
بل صباحُ أحلى ماعشتُ وما أحسستُ وماكنتُ وأتمنى لو أكونُ ثانيةً..
بصعوبةٍ بالغةٍ أوقفتْ سيلَ المشاعرِ الجارفَ ذاكَ وعادتْ إلى ثباتِها، بانتظارِ أن يبادرَها بالكلامَ. كلمةٌ واحدةٌ منه كانتْ كافيةً لتُظهرَ أمامهُ حقدَها كلهُ، لكنهُ لم يقلها، بل اكتفى بابتسامتهِ التي أضاءتْ لها عتمةَ حنينها إليه دائماً ونظرةٍ من عينيه كالخيالِ، وسؤالٍ قذفهُ كالقنبلةِ أمامَ دهشةِ حواسِّها المئةِ:
_ هذهِ الورقةُ وقعتْ منكِ بينما أنت تصعدينَ التاكسي صباحاً، اعذريني لم أستطعْ اللّحاقْ بك لحظتَها، أستأذنك.
هكذا ببساطةٍ بالغةٍ ..
رمى في أحضانِ حيرتها عبارتهُ تلكَ .. وتلاشى بينَ الركامٍ…

فتحى الحصرى

فتحى الحصرى .كاتب ومصور وصحفى عمل لأكثر من ربع قرن بالمجلات اللبنانية الشبكة وألوان ونادين . صاحب دار همسة للنشر والتوزيع .وصاحب موقع مجلة همسة ورئيس ومؤسس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Secured By miniOrange