مسابقة القصة القصيرة

قصة : فى ذات المكان . مسابقة القصة القصيرة بقلم / على محمد حامد الفشني . مصر

الاسم/ علي محمد حامد الفشني
مصر
صفحة الفيس/ علي الفشني
https://www.facebook.com/profile.php?id=100002535252841
صفحة ويب مدونة/ الشاعر والاديب علي الفشني
http://kenanaonline.com/alihamed?fbclid=IwAR3hYG6GdthwbH72L-MI9Qp9uzLnDObxY4tAVPqepccMQr40rHH8T401k9c
واتس/ 01016122812
نوع المشاركة قصة قصيرة
في ذات المكان
كانت تداعبه أحلامه بالثراء, وتدفعه بإلحاح نحو جنيها قبل حصادها, وكان يطارده شبح الفقر, فيفر منه إلى عتمة اليأس, إلى أن تجمعت أحلامه ومخاوفه, فأمطرت نفسا ألجمها الطمع منذ أن كان طالبا جامعيا بكلية الطب, فاغتال ضميره بسيف الجحود, وطوع كل شيء وامتطاه, كي يبلغ غايته, فعمل منذ نعومة أظفاره بأحد الصيدليات المجاورة للمدينة الجامعية, وأسكن طرفه قرارا لا يتطلع منه إلا إلى الممنوعات فأصبح كل شيء لديه مباح وإن جرمه القانون والمجتمع فابتاع العقاقير المخدرة بدون سند صرف لمعتادي الاجرام بأثمان باهظة وارتضى بأن يكون مضمضا لآلام المدمنين مقابل حفنة من المال المتهم بهتك الفضيلة والقيم والأخلاق نشأ رفعت هكذا وتعلق بهامة المجتمع ولف قدميه حول عنقه طبيبا ناجحا بارزا بين قرناءه حاز الدنيا بين يديه فالان أصبح لديه عيادة مزدحمة بالمترددين عليها من كل حدب وصوب وبناية شاهقة الارتفاع على النسق الحديث وسيارة فارهة وزوجة ذات نسب وحسب وبنون وبنات خاصم الفقر وفجر في خصومته وهجر العشيرة لكل معارفه استمر هكذا يغط في غفلته دونما أن يدركه ذلك الشعور الذي يفرمل كل شهوة جامحة الشعور بالشبع فما زالت نفسه جائعة ولم يدركه ذلك الشعور الذي يردع كل نفس مارقة الشعور بالخوف من العاقبة وسوء الخاتمة فما زال يهرول نحو خطاياه وما زال ينظر إلى كل خطيئة يقترفها على أنها جواهر يقتنيها تتقيه في غده بأس الفقر الذي يتربص به كما يظن فما زالت صورة الفقر قابعة في خلده لا تغادره تبرز إليه من الحين إلى الحين وتمشي على قدمين في هيئة معارفه وأصدقاءه القدماء الذين طلقهم طلقة بائنة ولكنها الصدفة ما زالت تذكره بهم فكثيرا ما يلتقيهم وكثيرا يتجاهلهم وبالرغم من هذا الجانب المعتم والذي لا يملك غيره إلا أنه ثمة بصيص من النور يتسرب إليه ولكنه نور مصطنع يضيء بعض الشيء ويخفت طول الوقت فكان يتردد يوما في الاسبوع على مسرح جرائمه في عيادته القديمة والمتواضعة في احدى القرى والتي كانت تطل على شاطئ الترعة الأيمن وكان قد خصص هذا اليوم للكشف والعلاج بالمجان لغير القادرين من أهل القرية لم يكن ذلك من باب الاحسان ولم يقصد به على الاطلاق ولم يعتبره وسيلة من الصدقات يربى بها أمواله بقدر ما هو علي سبيل المثل القائل “اطعم الفم تستحي العين” .. مجرد ضريبة يدفعها ثمنا للسكوت عن نبش الماضي وهتك ستره فكان حضوره لعيادته القديمة كالبرق الخاطف ما يلبث أن ينهي أعمال عيادته ويلوذ بالفرار من وكر الماضي الذي لم يكترث إليه كثيرا كان يراه بقعة متناهية الصغر من الجراثيم جرها ثوبه من الماضي فكان يعمد إلى تعقيمها بهذا العمل الجليل الذي دنسته مآربه منه.
وذات يوم وفدت عليه في عيادته القديمة امرأة بارعة الجمال أطلق مقلتيه تجول في تفاصيلها التي راقت له وسال لها لعابه يلهث خلف سنابلها البارزة بامتداد قوامها الممشوق ثم دنا واقترب منها ومال عليها ثم لثم فاها بقبلة ملتهبة فدفعته بقبضتها دفعة بسيطة ممزوجة بشيء من التدلل ومغلفة بعتاب المحبين ولم يلبث أن ضمها إليه بشدة وقال هامسا:
ـ أهبط إليك من فوق قمم لا يستطيع طرفك أن يبصرها أتدرين لماذا؟
لم تنطق ببنت شفاه وبدت الدهشة ترسم ملامح صمتها الغامض فليس الامر كما قيل في المثل السكوت علامة الرضا ولكن كان صمتها اعراضا تتخلله الشفقة فما زال في قلبها شيء يرغب فيه وما زال عقلها يرغب عنه كان في زمن ليس بالبعيد فتى أحلامها كانت ترنوا إليه زوجا صالحا تربوا في كنفه حياتها الجديدة حياة تغمرها السعادة تقرضها دفء الاسرة وحنان العاشق لم يطرأ في مخيلتها قط أن الفارق بينهما سيمكث كفجوة واحدة في درجات التعليم تعليم فوق المتوسط والتعليم العالي هذا الفارق البسيط كانت تظن أن الحب وحده كفيل بأن يغمد صراعه ويطفئ سعيره ولكن هذه الفجوة اتسعت بتقدم الزمن إلى أن بلغت تلك القمم التي زعم أنه هبط منها إليها وبالرغم أنها شاطرته البدايات وساندته إلى أن بلغ أشده حنث بوعده لها فسلبها أغلى ما تملك وأعارها بكارة مزيفة لم يراودها الريب في وعوده رغم جحوده البين وأطماعه المعلنة فقد وئد ضميره بين يديها كما اغتاله من قبل فكانت تعمل معه ممرضة وأعانته في كثير من جرائمه فشاهدته وساعدته في اجهاض الأمل رغم بزوغه من الخطايا لكنه أمل أوجده الله أجهز عليه بكلتا يديه فاستخرجه ميتا وألقاه في اليم المقابل لعيادته ولم يتورع في تكرار مثل هذه الجريرة بل تمرس فيها وامتهنا كما امتهن تزيف الواقع واستحالة الثيب إلى بكرا ومضت هذه الصفحات من الزمن القريب بداخل مخيلتها في تلك اللحظات الصامتة التي ظنها رفعت حنين وشوق لما كان بينهما فأجاب على سؤاله لماذا هبط إليها قائلا:
ـ لأني أحبك
وكان في هذا اليوم مصطحبا أطفاله الثلاثة فنادى على عامله بالعيادة وأمره باصطحابهم إلى سيارته بالأسفل لحين الانتهاء من عمله ثم اللحاق بهم وأوصاه بأن يرعاهم ولا يفارقهم حتى يقدم إليه فخلت العيادة إلا منهما فهم بمضاجعتها وقدم لنفسه فغرس قبلاته في وجنتيها وعنقها وهي لم تحرك ساكنا ثم أخذ يجردها من سترتها ومال على نهديها ليداعبهما فشعر ببعض الدموع الدافئة تسقط على صلعته الملساء ولم يعيرها انتباها وكشف عن نهديها فلم يجدهما ووجد موضعهما أثارا مشوهة لاستئصالهما فأقام هامته واستوى ومسح على صلعته وقد احتلته الدهشة وتسرب إليه الخوف فرمقته بنظرات حداد:
ـ وفيت ما علي من ديون
فتجهم رفعت للحظة ثم قال بصوت مرتجف:
ـ أي ديون
فقالت مستطردة:
ـ أنوثتي أصبحت مزيفة كما كانت بكارتي كما تدين تدان
تلعثمت الحروف بين شفتي رفعت وأخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة كأنه يريد أن يبوح بشيء ولكنه لا يستطيع إلى ذلك سبيلا وكأن المرأة وخزة أيقظت فيه بضعا من ضميره فانتبه قائلا:
ـ لطفك يا رب
وفي هذه الأثناء تناهى إلى سمعهما أصوات صاخبة بالخارج استغاثات .. انقذوهم .. فهرول رفعت إلى الشرفة فوجد سيارته غارقة في الترعة فقد عبث ابنه بمحرك السيارة فأدارها وهوت بهم في الماء فغرقوا جميعا وعجز الجميع عن انقاذهم فوثب رفعت من النافذة وهو يصرخ:
ـ أولادي
ثم اصطدم بالأرض فأصيب ساقيه بكسر مضاعف فأصبح لا يستطيع الحركة فأخذ يزحف بساعديه نحو الشاطئ وهو لم يفتر يردد:
ـ أولادي .. أولادي .. شقى عمري .. روحي
في حين تجاوزت المرأة درجات السلم الاثني عشر على مرتين ولحقت به كالبرق وهي تصك وجهها وتندب قائلة:
ـ رحمتك يا رب.. يا رب سلم.. سلم
ثم قالت مستطردة:
ـ رباه لا تأخذهم بما فعلنا
فنظر إليها رفعت بعينين تفيض من الدمع حزنا وفزعا وأومأ إلي سيارته المستقرة في الماء وقال وهو يندب حظه:
ـ في ذات المكان
ثم أردف قائلا:
ـ كما تدين تدان

فتحى الحصرى

فتحى الحصرى .كاتب ومصور وصحفى عمل لأكثر من ربع قرن بالمجلات اللبنانية الشبكة وألوان ونادين . صاحب دار همسة للنشر والتوزيع .وصاحب موقع مجلة همسة ورئيس ومؤسس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى