مسابقة القصة القصيرة

قصة .مساءٌ مُمَلَّح . مسابقة القصة القصيرة بقلم / نهال جمال عبد الناصر . مصر

نهال جمال عبدالناصر
اسم الشهرة / نهال النجار
مصر _ قنا
واتساب وفون / 010‪14609077
رابط الفيسبوك
https://www.facebook.com/profile.php?id=100058255245642

عنوان القصة ( مساءٌ مُمَلَّح )

1
على هامشِ مساء مملح بوحداتِ البيض المندلقة أسفل البرَّاد، وزجاجات النبيذ المهشمة، شمعةٌ قد ذابت، فأعلن الديجور سطوته على المكان، ستائر مترهلة سقطت على أرضيةٍ يتناثر فيها أثاثٌ غير منتظم، طبقٌ رث من التفاح قريب التعفن يتوسط طاولة مستديرة، يسربله سربٌ من الباعوض، نافذة واحدة على اليسار مفتوحة، كلما تعمق الليل اشتد تيارٌ جاف من الغبار، ليحتل الغبار بعد ذلك كافة مخابيء الباعوض، فيفر هاربًا إلا باعوضة واحدة كانت تختبئ في إحدى ثنيات معطف سكير لا يعي.

لا نجاة لها إن هي تحركت مقدار سنتي متر واحد، فسوف يطيرها الهواء إلى مناحٍ خطرة، آثرت البقاء إلى أن تهدأ العاصفة.

2
هدأت العاصفة لكن السكير ما زال على حالة رقاده، كان يجب على الباعوضة أن تهم بالتهام وجبتها من جسده، وما أن تحركت حتى فاق الرجل عن سكرته، فلما رآها ضربها ضربةً واحدة، كادت تتمزق جناحاها لولا أنها طارت قليلًا.

اقترب الرجل من النافذة وأغلقها، ثم استكشف وجهه بالمرآه، فكان بوجهٍ عبوس تتساقط منه وجنتين مترهلتين، وبقايا نبيذ يلتصق بذقنه، اقتربت الحشرةُ مرة أخرى حتى تمتص ما يدسُّه الجلد، انتبه الرجل ثم ضربها مرة ثانية.

هذه المرة شعرت بأن رأسها يدور، تنحت جانبًا حتى تستجمع بعض قواها، فهي لن تيأس أبدًا، تذكرت قولة جدتها
– إنها حربُ البقاء يا صغيرتي، من لم يعش يموت قطعًا..

فاقت عن شرودها حين دق جرس الباب، تلصَّصت فكانت حسناء بشعرٍ قصير ورقبةٍ بها نتوئات عدَّة تخفيها بإيشارب تلفه حول تلك الرقبة، كان الرجل يضع كلتا يديه عليها محاولًا خنقها.

كلاهما يتمتم بكلماتٍ هي لا تفهمها، إن لغة البشر تستعصي على الحشرات، المرأة الحسناء كانت تتمتم بقوة، هرعت نحو الشباك، فتحته وحاولت أن تصرخ، ألا أن الرجل جذبها رغمًا عنها، أغلق النافذة، كما كمَّم فمها في محاولةٍ منه لكتم أنفاسها.

على الطاولة المستديرة سكين حاد يعلو طبق التفاح المتعفن، التقطته الحسناء بيدٍ ترتعش فامتدت يده إليها وقد سبقتها في الطعن.

3
في الزاوية الملاصقة للطاولة المستديرة، جثة طازجة لامرأة دسَّت في صدريتها ورقة مكتوب عليها ” وصل أمانة”.

– يالها من وجبةٍ رائعة..
هكذا قالت في نفسها الباعوضة.

فتحى الحصرى

فتحى الحصرى .كاتب ومصور وصحفى عمل لأكثر من ربع قرن بالمجلات اللبنانية الشبكة وألوان ونادين . صاحب دار همسة للنشر والتوزيع .وصاحب موقع مجلة همسة ورئيس ومؤسس مهرجان همسة للآداب والفنون

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. المحطة
    استيقظتُ صباحًا علي تليفون ابنتي تخبرني بأنها مريضة وبحاجة لأكون بجوارها.قفزتُ من الفراش للسفر للقاهره، بدأت إعداد حقيبة السفر ووضعت فيها هدايا أبنتي كنت  أعددتها سابقاً..توضأتُ وصليت و ارتديت ملابسي  ، أغلقت منزلي واستقليتُ تاكسي إلى محطة القطار، أخبرني الموظف على شباك التذاكر بأن اليوم نهاية أسبوع ومن المستحيل الحصول علي تذكرة من الشباك!
    دخلَ القطار المحطة، صعدتُ السلالم…الشنطة ثقيلة والزحام شديد، الباعة تصرخ مناديةً علي البضائع، والمسافرون يهرولون في كل اتجاه، استقرَّ القطار على الرصيف وأنا أجرّ حقيبتي بصعوبة، أنظر يمينًا ويساراً باحثه عن شيّال، ولكن مُحال! وإذ برجل  أنيق..وسيم.. شهم.. شقّ الزحام رافعًا حقيبتي بقوة وصعد إلى الدرجة الأولى ممسكًا بيدي..وجدتُ مقعدًا فارغًا فشكرته وجلستُ، رفع الشنطه بخفّة على الرّف؛ فشكرته ثانيةً بشدة.
    قطعَ الجرسون الصمت بعربة المشروباتِ مناديًا: “شاي، قهوة، سندوتشات، ميّه..”وفي نفس اللحظة التي طلبت بها الشاي، وجدته يسبقني ويمدّ يده بالنقود طالبًا كوبين! شكرته بحرارة هذه المرة. بدأ كلٌّ منا في ارتشاف الشاي وَسْطَ نظرات خاطفة بيننا يتخللها بعض الكلمات الرقيقة، نظرات تملؤها الآهات والتنهدات! وكأننا تواعدنا علي اللقاء..بدأ يقصّ عليّ بعض المواقف الطريفة التي حدثت معه، ويحكي ويحكي زي النهار ده، وكان وكان… وبدأتُ أقصُّ عليه حكاية سفري وهو ينظر إليّ بكل حب وحنان! وكأنه يريد أن يقول آلاف الكلمات، إلي أن دخل القطار المحطة فجاءة شعرت بقلبي يُختطف من صدري! هل حان وقت الفراق؟ حمل الحقيبة وأنزلها وأنا أسير بجواره، ووجدتني أطلب منه  أن أردّ له عزومة الشاي بعصير في كافتيريا المحطة، ربما لن نتواعد ثانيةً، كنتُ أشعر  بشيءٍ يولد داخل قلبي! برجفةٍ في يدي ولمعةٍ في عيني أخالهُ يراها، وأنا أشعر بتنهيدةٍ يحاول هو كتمانها ونفسٍ متقطعٍ  وهو يحادثني! وضحكاتٍ مثل الأطفال لدرجة أنه نسي إلى أي إتجاهٍ وجهته، وأنا أقصُّ له أبسط وأجمل حوارات، وهو سعيد بسماع صوتي وكأنه تغريد بلبل أو صوت ملاك. شربنا العصير وفي نفس اللحظة فتحتُ شنطتي الأنيقة لكي أدفع الحساب وهو يمدّ يده ليمنع يدي! وإذ بي تتحجّر مقلتيّ في الأجفان وتكاد الأنفاس أن تتوقّف! فقد لمحت شيء على يده اليمنى! توقف بي الزمن لثوانٍ مرّت كأنها أزمنة. وكأنه نسي من هو ونسيتُ من أنا، لحظةٌ فاصلة، تذكرني أنه محال ومحال. و فجأة وجد دموعًا تتسلل من جفنيّ كحبات اللؤلؤ على وجنتيّ.
    قمنا نسير في صمتٍ ، طلبتُ منه أن يوصلني إلى محطة مترو الأنفاق وهو يقسم عليّ بأن يوصلني بنفسه وأنا أرفض وأصمم علي الفراق وأنزل عند المحطة.
    لا أقوى على السير أجرّ قدميّ بصعوبة بالغه بعد أن حلّقت في السماء كفراشةٍ، وبعد أن أخبرني بعينيه أنني أساوي آلاف النجمات، صعدتُ إلى المترو بعد أن سلمتُ عليه السلام الأخير، ورفع لي الحقيبة، تنساب الدموع  مع  إغلاق الأبواب وهو يلوح بيده آلاف السلامات وكلٌ في قلبه ألم وغصّة. وذهبت كل الاحلام مع وقوع عيني علي الصليب….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Secured By miniOrange