تحدثت في مقال سابق عن مشكلة كبيرة تعصف بالفن المصري والعالمي على حد سواء، وهي الفلس الفكري. نعم!! لم تعد هناك فكرة، واختفى الإبداع والإمتاع.
تجلت تلك الظاهرة بوضوح في تحول نسبة كبيرة من الأعمال الفنية التي نجحت جماهيريًا إلى افتعال جزء ثانٍ. تحدثنا بالتفصيل عن موضوع الجزء الثاني وأنه يقتل فكرة الإبداع الجديدة، إذ أصبح من السهل واليسير على أي منتج أو كاتب أن يبني جزءًا ثانيًا وثالثًا على جزء أول موجود. لم تعد هناك حاجة للإبداع وخلق شخصيات وفكرة جديدة، إذ أصبحت موضة الجزء الثاني تبني حكايات وقصصًا على قالب رئيسي موجود.
اليوم سنتحدث عن ظاهرة أخرى لهذا الفلس الفكري تضاعفت وزادت في الفترة الأخيرة، وهي دراما تحكي قصصًا وحوادث حقيقية، مثل “ساعته وتاريخه” و”القصة كاملة”، وهو نوع من الدراما جديد يسمى “دراما الحوادث” أو إن شئت قل “دراما الكوارث”.
يبدو الاسم غريبًا ولكنه للأسف حقيقي؛ فقد أصبح غياب الإبداع والتنوع والتبحر في دهاليز العقل ومحاولة إجهاد الذهن بتكوين قصة محبوكة أو دراما حقيقية شيئًا صعب المنال، فانتقل الكُتّاب والمخرجون إلى ظاهرة الحوادث!
نعم، أصبحت الجرائم والحوادث الحقيقية هي المادة الخصبة كي يزرع صناع الدراما بذورهم ويحصدوا أفكارهم؛ حادثة حدثت بالفعل مكتملة الأركان، لها شخصيات وأحداث، بها صراع وبداية ووسط ونهاية، حادثة بها كل شيء جاهز ومُعدّ كي يحولها الكاتب أو المخرج إلى عمل “على الجاهز”! بالله عليك، أين الإبداع والابتكار هنا؟
ماذا فعل رب العمل وصانعه في عمل مُعدّ بكل تفاصيله؟ تلك هي أهم وأكبر مشكلة، وإن كثرت مشاكل هذا النوع من الدراما.
فبجانب قتل الإبداع والابتكار، ظهرت مشكلة أخرى وهي تعليم وشرح واضح بالصوت والصورة لكل الناس طريقةَ الحوادث، وتوضيح للقاتل كيف يمكن أن يعدل على تلك الفكرة لينجو بفعلته من القانون، وتوضيح للهارب كيف يتفادى الأخطاء التي شاهدها أمامه في الحقيقة وهو ينفذ جريمه. دراما تمسك بجرس وتنبه ضعاف النفوس إلى حوادث موجودة طبيعيًا بيننا، مما يخلق جوًا من الاستهانة بتلك الجريمة أو جعلها شيئًا عاديًا (“غيري عملها”).
دراما سوداء بها كمّ من الكآبة والحزن يجعل الشاشة سوداء الجو، حيث فيها من الحزن والشجن ما يكفي لسنين.
دراما تُعلي نسبة الكورتيزون في جسمك وتصيبك بالتوتر والقلق؛ فبدلًا من أن تشاهد فنًا حقيقيًا يجلب لك السعادة والمتعة، أصبح الفن عبارة عن قتل أو اغتصاب، حرق أو اضطهاد!
ناهيك عن أصحاب وأهل المجني عليه الذين سيُتحطمون نفسيًا عند رؤيتهم الجريمة التي ارتكبت بحق ذويهم أمامهم من البداية بالصوت والصورة.
لا أرى فائدة من هذا النوع من الدراما في الحقيقة من أي جهة.
لا أفهم هل التريند والشهرة وجذب المشاهدات أصبحت غاية لكل صناع الدراما والسينما مهما كان الثمن؟
أطالب الهيئات الرقابية بضرورة الحد من تلك الظاهرة؛ فقديماً كانت الحوادث في صفحة مخصصة لها في الجورنال، ومع مرور السنين أصبحت على مواقع التواصل الاجتماعي، وها هي الآن متاحة للجميع. قديماً كان يذهب إليها فقط من هو مهتم بهذا النوع من الأخبار، لكن الآن تدخل الحوادث في شكل مسلسلات لكل بيت وكل إنسان. تلك الطريقة بها قدر من الخطورة، وأرى أن هذا لعب بالنار من الممكن ألا تُحمد عقباها.
فليس من المعقول بعد أن قدمت الدراما المصرية روائع ما زالت تُعرض منذ عقود، أن يكون محور مواضيعها الآن حوادث وقضايا، وبعد أن كان المشاهدون يلتفون حول “ذئاب الجبل”، و”رأفت الهجان”، و”المال والبنون”، تصبح مصدر الدراما الآن من صفحات الحوادث وتقارير النيابة ومصلحة السجون.
د. محمد كامل الباز
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون