كتاب المجلهكتاب همسة

عام دراسي لا يبدأ بالحقيبة … بقلم المستشار الدكتور خالد السلامي

‏قبل أن تمتلئ الطرق بالحافلات، وقبل أن تدق الأجراس معلنة بداية الحصة الأولى، يكون العام الدراسي قد بدأ بالفعل في مكان آخر لا تظهره الصور ولا تتحدث عنه نشرات الاستعداد للمدارس. يبدأ في عقل طفل يفكر في معلم جديد، وفي قلب مراهق يتساءل إن كان هذا العام سيكون مختلفًا، وفي بيت يحاول أن يعيد ترتيب ساعاته بعد شهور من الإيقاع المتغير.
‏ولهذا ربما يكون الخطأ الأول الذي نرتكبه كل عام أننا نختصر العودة إلى الدراسة في شراء حقيبة، وتجهيز زي، وترتيب غرفة، وضبط منبه. نهتم بما سيحمله الطالب إلى المدرسة، لكننا لا نسأل بما يكفي: ما الذي سيحمله معه من الداخل؟
‏فالطالب لا يدخل المدرسة وحده.
‏تدخل معه ثقته بنفسه، وقلقه، وعلاقته بوالديه، وصورته عن قدراته، وتجربته السابقة مع النجاح والإخفاق، والكلمات التي سمعها في البيت طوال سنوات. يدخل ومعه ذلك الصوت الخفي الذي يقول له: أنت قادر، أو أنت ضعيف، أو عليك أن تكون الأول، أو يكفي أن تحاول، أو لا تخطئ، أو لا تخذلنا.
‏وهذه الأصوات قد تكون أثقل من الكتب.
‏هناك أطفال يعودون إلى مدارسهم وهم يحملون حماسًا حقيقيًا. وهناك من يعود وفي داخله خوف صغير لا يراه أحد. خوف من مادة صعبة، أو من معلم لا يعرفه، أو من مجموعة جديدة من الزملاء، أو من مقارنة تنتظره في نهاية كل اختبار.
‏وقد لا يقول شيئًا.
‏سيجلس إلى المائدة، ويرتب كتبه، وربما يبتسم للصورة الأولى في صباح الدراسة، بينما تدور في داخله أسئلة أكبر من عمره بقليل.
‏من هنا، تبدو العودة إلى المدرسة فرصة تستحق أن نتعامل معها باعتبارها بداية نفسية وإنسانية، لا مجرد بداية أكاديمية.
‏فالمدرسة، في حقيقتها، ليست مصنع درجات.
‏إنها واحدة من أهم المساحات التي يتعلم فيها الإنسان كيف يرى نفسه. هناك يكتشف هل يستطيع أن يسأل دون خوف، وهل يسمح له أن يخطئ، وهل يُقدَّر اجتهاده حتى عندما لا يصل إلى المرتبة الأولى، وهل اختلافه عن الآخرين نقص أم ميزة.
‏والطفل الذي يقضي سنوات يسمع أن قيمته مرتبطة بنتيجته قد يتعلم الحساب جيدًا، لكنه قد يفشل في حساب قيمته الإنسانية بعيدًا عن الأرقام.
‏وهنا تبدأ مسؤولية الأسرة بطريقة ربما لا تظهر في كشوف الدرجات.
‏لسنا بحاجة كل صباح إلى أن نقول لأبنائنا: ادرسوا جيدًا حتى تحصلوا على أعلى الدرجات. هم يعرفون ذلك. المدرسة ستذكرهم به، والاختبارات ستذكرهم به، والنتائج ستفعله أيضًا.
‏ربما يحتاجون إلى جملة أخرى:
‏اذهب وتعلّم شيئًا لم تكن تعرفه بالأمس.
‏الفرق بين العبارتين أكبر مما يبدو.
‏الأولى تجعل الهدف رقمًا في نهاية الطريق، والثانية تجعل الطريق نفسه ذا قيمة.
‏وحين يصبح التعلم هو الهدف، تتغير العلاقة مع الخطأ. لا يعود الخطأ فضيحة صغيرة ينبغي إخفاؤها، بل يصبح جزءًا طبيعيًا من اكتشاف شيء جديد. فالإنسان لا يتعلم لأنه يعرف، وإنما يتعلم تحديدًا لأنه لا يعرف.
‏ومع ذلك، ما زلنا في كثير من الأحيان نربّي أبناءنا على الخوف من الإجابة الخاطئة أكثر مما نربيهم على متعة البحث عن الإجابة الصحيحة.
‏نسأل الطفل بعد عودته:
‏كم أخذت؟
‏ولا نسأله كثيرًا:
‏ماذا عرفت اليوم ولم تكن تعرفه صباحًا؟
‏من أضحكك؟
‏ما السؤال الذي حيّرك؟
‏هل ساعدت أحدًا؟
‏هل حدث شيء جعلك فخورًا بنفسك؟
‏إن طريقة السؤال تصنع طريقة التفكير. وحين نغير أسئلتنا، قد نكتشف في أبنائنا أشياء لا تظهر في الشهادة المدرسية.
‏*
‏ثم تأتي المقارنة، ذلك الضيف القديم الذي يعرف طريقه جيدًا إلى البيوت مع بداية كل عام.
‏ابن فلان متفوق.
‏أختك كانت أفضل في هذه المادة.
‏زميلك حصل على الدرجة الكاملة.
‏قد تبدو هذه الجمل وسيلة للتحفيز، لكنها كثيرًا ما تصنع نتيجة عكسية. فالطفل لا يسمع دائمًا: تستطيع أن تتحسن. قد يسمع شيئًا آخر تمامًا: أنت أقل من غيرك.
‏ومن أصعب السباقات أن يبدأ الإنسان بالجري نحو خط نهاية يخص شخصًا آخر.
‏لكل طالب تركيبته الخاصة. هناك من يتقدم سريعًا، ومن يحتاج إلى وقت. من يلمع في الرياضيات ويضيع في التعبير، ومن يكتب بطريقة مذهلة لكنه يتعثر أمام الأرقام. وليس من الحكمة أن نحول هذا التنوع الطبيعي إلى ترتيب دائم للأفضل والأسوأ.
‏فنحن لا نريد أن نصنع أبناء ينجحون فقط عندما يكونون أفضل من غيرهم، بل أبناء يعرفون كيف يصبحون أفضل من نسختهم السابقة.
‏وهذا فرق تربوي بالغ الأهمية.
‏*
‏العام الدراسي الجديد يأتي أيضًا في زمن تغيّر فيه معنى المعرفة نفسها.
‏لم تعد المشكلة أن الطالب لا يستطيع الوصول إلى المعلومة. المعلومة أصبحت قريبة إلى درجة غير مسبوقة. يستطيع الطفل أن يحصل خلال لحظات على شرح وصورة وفيديو وإجابة لكل سؤال تقريبًا.
‏لكن وفرة المعلومات خلقت سؤالًا أكثر صعوبة:
‏هل يعرف كيف يفكر فيها؟
‏مستقبل التعليم لن يكون في حفظ أكبر كمية ممكنة من الإجابات، لأن الإجابات أصبحت متاحة للجميع تقريبًا. القيمة الحقيقية ستكون في القدرة على طرح السؤال الصحيح، والتحقق من المعلومة، والتمييز بين الحقيقة والادعاء، وربط الأفكار ببعضها، وصناعة شيء جديد مما نعرفه.
‏وقد يكون من المفارقات أن الطفل الذي يسأل كثيرًا ويزعجنا بأسئلته هو في الحقيقة يمارس واحدة من أهم مهارات المستقبل.
‏فلا تقتلوا السؤال من أجل هدوء الغرفة.
‏*
‏وهناك درس آخر لا يوجد غالبًا في جدول الحصص، لكنه ربما أهم من كثير مما يحتويه الجدول: أن يتعلم الطفل كيف يعيش مع الآخرين.
‏أن يعرف أن الاختلاف ليس عداوة.
‏أن يكون قويًا دون أن يكون قاسيًا.
‏أن يستطيع الدفاع عن نفسه دون أن يهين غيره.
‏أن يرى الطالب الهادئ الذي يجلس وحده.
‏أن يعرف أن المزاح قد يتحول إلى جرح عندما يكون طرف واحد فقط هو الذي يضحك.
‏أن يفهم أن التفوق الحقيقي لا يظهر فقط حين يرفع يده بالإجابة الصحيحة، بل حين يمدها لمن يحتاج إليها.
‏يمكن للمدرسة أن تمنح الإنسان شهادة ممتازة، لكن الأسرة والمجتمع يشتركان معها في صناعة شيء أهم: شخصيته.
‏وكم نحتاج إلى طلاب ناجحين في الدراسة، نعم، لكننا نحتاج أكثر إلى أطباء لا يفقدون الرحمة، ومهندسين لا يفقدون الأمانة، ومديرين لا يفقدون التواضع، وأشخاص ناجحين لا يعتقدون أن نجاحهم يمنحهم الحق في النظر إلى الآخرين من أعلى.
‏المعرفة من دون أخلاق قد تصنع إنسانًا أكثر قدرة، لكنها لا تضمن أن يكون أفضل.
‏*
‏ولعلنا بحاجة أيضًا إلى إعادة التفكير في مفهوم النجاح المدرسي نفسه.
‏النجاح ليس عامًا بلا تعثر.
‏ولا طالبًا لم يحصل قط على درجة منخفضة.
‏ولا مسيرة تسير في خط مستقيم.
‏ربما يكون النجاح الحقيقي أن يتعلم الطالب كيف يتعامل مع أول إخفاق دون أن تنهار صورته عن نفسه. أن يعرف أن نتيجة سيئة تخبره عن اختبار، لا عن قيمته. وأن القدرة على الوقوف بعد السقوط مهارة لا تقل أهمية عن القدرة على تجنب السقوط.
‏فالحياة التي تنتظر أبناءنا لن تعطيهم دائمًا الدرجة الكاملة، ولن تمنحهم نموذج إجابة في كل مرة.
‏سيفشلون أحيانًا.
‏سيُرفضون.
‏سيتغير الطريق أمامهم.
‏وسيكتشفون أن كثيرًا من الأسئلة الكبرى لا تحمل أربع إجابات يختارون واحدة منها.
‏لهذا، ربما يكون أعظم ما يمكن أن تمنحه المدرسة والأسرة للطفل ليس ضمان النجاح، بل القدرة على الاستمرار عندما لا ينجح من المحاولة الأولى.
‏*
‏وفي زحام الاستعداد للعام الجديد، هناك أمر بسيط قد ننساه: الأبناء يكبرون.
‏هذا الطفل الذي سنلتقط له صورة صباح أول يوم لن يعود في نهاية العام الطفل نفسه. ستتغير بعض أفكاره، وستكبر لغته، وربما تتغير صداقاته واهتماماته وطريقته في النظر إلينا وإلى نفسه.
‏العام الدراسي ليس مجموعة فصول وامتحانات فقط. إنه قطعة كاملة من العمر.
‏ومن المؤسف أن نقضيها كلها نسأل أبناءنا عن المستقبل:
‏ماذا ستصبح عندما تكبر؟
‏وننسى أن نسألهم:
‏من أنت الآن؟
‏فالطفولة ليست غرفة انتظار للحياة الحقيقية.
‏والمراهقة ليست مجرد جسر إلى الجامعة.
‏كل مرحلة عمرية حياة كاملة تستحق أن تُعاش، لا أن تُستهلك فقط في التحضير للمرحلة التالية.
‏*
‏وعندما يخرج أبناؤنا في صباح اليوم الأول، ربما لا نحتاج إلى وصية طويلة.
‏ليس ضروريًا أن نحملهم كل أحلامنا المؤجلة ونضعها فوق حقائبهم.
‏يكفي أن يعرفوا أن البيت الذي خرجوا منه سيبقى مكانًا آمنًا إذا نجحوا وإذا أخفقوا، إذا حصلوا على الدرجة الكاملة وإذا عادوا بورقة لم تعجبهم نتيجتها.
‏أن يعر…

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى