قصة قصيرة
البيت القديم
قالت:
– إن وجدته فلتقرئه السلام.
أجتاز حوش المنزل والبوابة الحديدية الصدئة..
أرى الناس والباصات والدكاكين..
تسلك قدماي طريق ” الجمالية ” تحت سقف من سحب خريفية رائقة، موغلة في القدم.. وقلب موغل في التذكر.
أقف عند رأس الحارة المتدثرة بالبيوت والنوافذ، وطلة العيون. مسحت نظارتي الطبية وبصقت.
هو نفس الباب الخشبي والدرجة المرتفعة الرخامية المفضية إلى فناء منخفض مظلم، وبئر السلم..
…………………………
أمازلت تذكر بئر السلم ؟..
” ويدها تمتد في خفاء مبهم، فتلمس مواطن الرغبة والأنفاس الحارة تتسلل في مكر..
وينفرج بغتة ضوء بقدر انفراح باب شقة، ويتكدس ظله على الجدار، فتبقيا لصق الجدار حتى يسكن الظل، وتخفت دقة الأقدام المتتابعة، ويغرق وجهها المدور في عتامة الرغبة والخوف”.
……………………….
نفس الحارة والدكاكين..
المكدسة بضاعتها في ضجر، الوجوه المغبرة تحدق في كبشة العيال والنساء، الزبالة المبعثرة فوق أديم الأسفلت، عم”مصطفى” الحلاق بطربوشه الأحمر العتيق ومنشته الصفراء المتدلية.. وجهه المتذمر الضامر .
وقفت أمام البيت المرقوم..
“أمازلت مرقوماً ؟”.
أربعة مكتوبة بالسلاقون الأحمر على الواجهة، وبجانبها خروف مرسوم بالطباشير، وكف مطبوع.. أصابعه حمراء قانية.
– ( كم أقمت وما أنت بمقيم، ورحلت وما أنت براحل ).
……………………………
سور الخرابة..
نتسلقه في خفة ورشاقة، نجلس في عشة معروشة بالبوص، أقمناها مستقرا لنا.
نرى منها أطلال منازلنا المضاءة كأشباح خرافية . فيحلو لنا ذكر العفاريت وخوارقهم.
ويتراءى لنا “ملجأ الأيتام”..
بنوافذه الزرقاء وقباب أبنيته وحوشه الواسع كمسرح لتلك الخوارق.
وكم هممنا باقتحامه وكشف سره.
-“لكنك كنت تخاف دائما وتحسب حساب العواقب، وترجع إلى البيت خائباً فيضحك منك أقرانك، وتبيت تحلم أنك مقتحمه تطارد العفاريت حتى تصرعهم”!.
………………………..
هل طمس التراب رقم الشقة؟، تساقط الجير وبانت أسياخ الحديد الجهم في عبوس..
-” كل شئي حولك قد بُلي”.
نقرت الباب – ورائحة عطنة تفوح – عدة مرات متباعدة، فلم يصدر صوت ولا انبثق ضوء.
…………………………
يطوفون بالسواد إثر الصراخ، فيحملونني عبر الغرف. وأرقد أخيراً على سطح المنزل، أنظر من فوق.. صندوق خشبي مستطيل يحمله أربعة رجال يغادر منزلنا، محاطا بنسوة يغشهن السواد. ويتعالى نحيب، فيشق قلبي حزن معتم.
وانقبض حيال الحيرة المقتحمة..
ولم تفلح كركبة الدجاحات ولاقفزات الأرانب أن تخرجني من حالي.
……………………………
تتابعت نقراتي على الباب ثقيلة..
– إن لم تجده اترك له مكتوباً.
تململت في وقفتي وتلفت، علي أهتدي إلى أي أحد.
……………………….
صوت المقرئ مفعم بالهيبة، غائر. والسرادق بمصابيحه المتدلية في صمت، وكراسيه الحمراء المرصوصة في عناية. رائحة القهوة والصواني الفضية اللامعة، وأبي يجلس أشعث الشعر، متهدل الثياب.. لايبتسم.
كلما اقتربت من أحد أداعبه.. صدني أو احتضنني وملس بيديه على رأسي في حنو مبالغ.. نفرت منه .
حتى أقراني عندما ذهبت للخرابة عاملوني برفق كرهته.
………………………….
طرقت الباب بشدة للمرة الأخيرة..
تيقنت من غياب منّ بالداخل .
تتبعت السلالم إلى أسفل.. غائصاً في العتمة.
تركت البوابة من خلفي واستقبلت جلبة الشارع..
بعد خطوات قصيرة..
راق لي.. أن ألتفت خلفي إلى المنزل الغارق في سباته..
خيل إلي أن وجهاً ما كان يطل.. وتراجع فجأة!.
مهاب حسين/مصر.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون