مسابقة القصة القصيرة

قصة : المقعد الأخير . مسابقة القصة القصيرة بقلم / سعيد محمد طه محمد .مصر

د/ سعيد محمد طه محمد

جمهورية مصر العربية

الشهرة: Dr-happy

+2001093781307

+2001145717016

https://www.facebook.com/saeed.mohmmed.96

قصة ” المقعد الأخير”

بقلم/ سعيد محمد طه……………… مصر.

جلس سيف في المقعد الأخير، لا لأنه أراده، بل لأنه لم يجد غيره.

كتفاه ملتصقتان بالحائط، حقيبته محشورة تحت قدميه، ورأسه منخفض كعادته، كأن الأرض وحدها تستحق أن ينظر إليها.

ضحكٌ خافت تسلّل من الصفوف الأمامية، لم يحتاج أن يلتفت ليعرف سببه؛ فالمقعد الأخير لا يحتاج إلى تعريف.

دخل المدرس، فعمّ الهدوء فجأة، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.

بدأ الشرح، أرقام على السبورة، كلمات تتوالى، صوت واحد يملأ الفراغ.

سيف لم يكن يفهم، ولم يكن ليعترف بذلك.

كان ينقل ما يُكتب فقط، لا ليحفظه، بل ليبدو مشغولًا.

القلم يتحرّك، والعقل غائب، والوقت يمرّ ثقيلًا.

لماذا دائمًا أنا آخر واحد؟ فكّر سيف في صمت. هل لو كنت أسرع، أذكى، أفضل… لما سخروا مني؟ لم يجد إجابة.

مر المدرس فجأة بجانب الصف الأخير، مروره لم يكن مراقبة بل تحريكًا للشعور بالذنب.

– «سيف… جاوب.»

ارتبك. وقف. نظر إلى السبورة، ثم إلى الأرض.

ضحك مكتوم من الخلف.

– «اقعد… واضح إنك مش معانا.»

جلس سيف، ووجهه يشتعل، ليس من الخجل فقط، بل من العجز.

في الفسحة، لم يكن له مكان.

جلس قرب السور الخلفي، يفتح ساندوتشًا صغيرًا بلا شهية.

مرّ بجانبه زملاؤه واحدًا تلو الآخر. بعضهم تجاهله، وبعضهم اصطدم به عن عمد.

– «وسع يا عم.»

– «خد بالك… ممكن تقع.»

ضحكوا.

سيف لم يضحك، ولم يغضب.

كان قد تعلّم أن الغضب يزيد الأمور سوءًا.

أكره كل صباح، أكره نفسي، أكره أن أكون آخر واحد دائمًا.

في البيت، الوضع لم يكن أفضل.

غرفة واحدة، ضوء خافت، صوت التلفزيون عالٍ، أب صامت، وأم تتحرك بلا توقف.

– «عملت إيه في المدرسة؟» سألت الأم.

– «كويس.»

لم يكن كذبًا كاملًا، بل هروبًا.

دخل غرفته، أخرج الكشاكيل، فتح كتاب الرياضيات، قرأ سطرًا واحدًا، ثم أغلق الكتاب.

لم يكن غبيًا، كان متأخرًا.

والتأخر في المدرسة لا يُغتفر.

كل يوم أشعر أن المدرسة تريد تكسيرنا، لا تعليمنا.

الأسبوع التالي جاء المدرس الجديد، سريع الحكم، قليل الصبر.

– «اللي مش فاهم يبقى مش مركز.»

– «اللي مش بيجاوب يبقى مهمل.»

– «اللي ورا دايمًا ورا.»

صار سيف مادة للتعليقات، ليس تنمّرًا صريحًا، بل سخرية خفيفة تقتل ببطء.

في أحد الأيام، وجد رسالة صغيرة مطوية على دفتره:

«لو حاولت مرة ثانية… مش هتنجح»

أمسك الرسالة، قلبها ببطء، شعور بالوحدة يغمره.

– لماذا أنا دائمًا الهدف؟

في حصة الألعاب، رفض الفريق ضمه، لكن ليس بطريقة علنية.

تمرير الكرة بعيدًا عنه، توزيع الأدوار بطريقة خفية تجعل حضوره بلا جدوى.

جلس على المقعد الحجري، وعيناه تتابعان اللعبة بلا تركيز.

لماذا كل شيء يجب أن يكون صعبًا بالنسبة لي؟

بدأ سيف يتأخر عن المدرسة.

ليس هروبًا، بل ثِقلًا.

كل صباح يحتاج شجاعة إضافية ليخرج.

تراكمت الدروس والكلمات التي لم يفهمها، صار كل شيء أصعب.

في أحد الأيام، قرر ألا يدخل الفصل.

جلس في الحمام المدرسي، على الأرض، يحدّق في الحائط.

رنّ الجرس، ثم الذي يليه.

لم يسأله أحد أين كان.

في الامتحان الشهري، كتب اسمه فقط، نظر إلى الورقة طويلًا، لم يعرف من أين يبدأ.

تذكّر الرسائل، السخرية، المقعد الأخير.

سلّم الورقة فارغة تقريبًا.

حين ظهرت النتيجة، كان اسمه في آخر القائمة.

قال المدرس أمام الجميع:

– «في ناس مكانها مش هنا.»

لم يذكر الاسم، لكنه كان واضحًا.

في تلك الليلة، بكى سيف لأول مرة منذ زمن. بكاء صامت بلا صوت.

بدأ التنمّر يأخذ شكلًا أقسى.

دفع في الممر، كلمات في الظهر، رسائل على الهاتف:

– «غبي.»

– «فاشل.»

– «مش هتطلع حاجة.»

حذف الرسائل، لكن الكلمات بقيت، صار يصدّقها.

في يوم ماطر، تأخر عن المدرسة كثيرًا.

دخل الفصل متأخرًا.

– «اتفضل بره.» قالها المدرس.

وقف سيف. نظر حوله. لم يتحرك.

– «قلت بره.»

خرج، جلس على السلم يسمع الدرس من بعيد، دون أن يفهم شيئًا.

ثم اتخذ قرارًا صغيرًا، لم يكن يعرف أنه سيكبر:

قرر ألا يحاول.

توقف عن المذاكرة، عن السؤال. صار يحضر بجسده فقط.

وفي نهاية العام، رسب.

لم يكن الخبر صادمًا، بل متوقعًا.

قال الأب: «كنت عارف.»

قالت الأم: «حاول السنة الجاية.»

سيف لم يسمع.

في الإجازة، عمل مع والده. حمل، نظّف، تعب.

التعب كان ملموسًا، له معنى، له أثر في العضلات واليدين والظهر… شعور مختلف عن الفشل الذي يتركه المدرسة، الفشل الذي يجعل الإنسان كأنه لا وجود له.

كل حركة، كل صفعة تراب على الأرض، كل حمل لصندوق صغير، أعادت لسيف إحساسًا بسيطًا بأنه ما زال قادرًا على شيء، على الأقل على نفسه.

مع بداية العام الجديد، لاحظت المعلمة الجديدة، السيدة منى، سيف وهو يتراجع إلى المقعد الأخير كل يوم.

لم تصرخ، لم تضغط عليه، فقط لاحظت.

مرّت أسبوعًا قبل أن تتكلم معه، لكنها كانت تتفقده دائمًا من بعيد، تسجل ملاحظات صغيرة عن تقدمه الصامت، تعامله مع الزملاء، حركاته الصغيرة.

في منتصف الفصل، جاءت إليه بهدوء بعد الدرس:

– «فاهم؟»

هزّ رأسه نفيًا.

– «تعالى بعد الحصة.»

جلست أمامه، فتحت الكتاب.

– «فين وقفت؟»

– «من زمان لم يسألني أحد.»

لم تضحك.

بدأت من البداية.

لم يتغيّر كل شيء، لكن شيء واحد تغيّر: سيف لم يعد وحيدًا.

في آخر يوم، كتب في كشكوله جملة واحدة:

«أنا مش غبي… أنا بس اتأخرت.»

وأغلقه.

وفي اليوم التالي، قبل أن تطلب المعلمة أي شيء، فتح الكتاب بنفسه، صفحة واحدة، خطوة صغيرة. لكنها – أخيرا – كانت خطوته هو، مش خطوة حد تاني.

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى