إسمي فؤاد سلامي من الجزائر
الهاتف و الواتساب: ٠٠٢١٣٦٧٥٣٩٧٧٨٢
الفيسبوك : https://www.facebook.com/share/1RUTBgBkAP/
حب في زمن الغدر
بينما كان جالسا في بهو السفينة لمح امرأة كانت في غاية الجمال، كانت ترتدي معطفا بُنيا ووشاح أصفر، كانت تشبه إحدى النجمات السينما.
تقدم إليها ببطيء شديد، وقد تملكه بعض الخوف، تشجع قليلا ثم قال لها بنبرة خافتة: مرحبا يا سيدتي، لم تجبه في حينها!.
أعاد عليها التحية مرة أخرى، مرحبا يا سيدتي هل أنت مسافرة بمفردك؟.
سؤال سخيف طبعا، لكن أحيانا يتوجب على المرء أن يطرح مثل هذا السؤال، عندما يتعذر عليه الكلام، فالتفكير يكون مشلول في مثل هذه المواقف، التفتت إليه وتبسمت وقالت له: من أنت يا سيدي؟ وماذا تريد مني؟
قال لها:إسمحي لي يا سيدتي أن أعرفك بنفسي.
أنا الدكتور سعيد! هل لي أن أدعوك إلى فنجان شاي؟.
ردت عليه بلباقة منقطعة النظير: تشرفت بلقائك يا دكتور سعيد، هذا من دواعي سروري، لكن إسمح لي أن أعرفك بنفسي أولا، أنا إسمي ماريا ويلقبونني بالكونتيسا، مع أني لا أحب هذا اللقب! مسافرة فقط مع والدي وأنا فرنسية الأصل.
لن ينسى سعيد أبدا تلك الابتسامة اللطيفة التي كانت مرسومة على محياها أثناء ارتجافها لفنجان الشاي وهي تحملق في عينيه. لكنها كانت تبقى صامتة طوال الوقت، كان يحس سعيد أنها تريد أن تقول له شيئا، ربما سرا لكن لا تقوى على البوح به، كان ينتابه شعور أيضا أنها تستمتع بكل لحظة وهما جالسان في البهو، فالمكان كان غامرا بالشاعرية والأحاسيس الرومانسية تحت أنغام الموسيقى الهادئة التي تسحب أي مستمع لها الى عالم آخر، عالم وجداني وشاعري، كان يشعر كأنها فراشة خرجت من شرنقتها لتوها. ومع ذلك فقد ساد الجو بعض الغموض، فهي لم تكن تسترسل في الكلام كثيرا، ولم تكن تحاول معرفة شيء عنه، مثل هذه الأشياء قد تفقد المرء الثقة في نفسك، ويغمره الشك بأنها غير مهتمة به. وكم كان حزنه وأسفه كبير حين علم منها، أن أمها ماتت عندما كانت صغيرة، وهي تعيش فقط مع أبيها، وأنها التقت به على متن هذه السفينة لتوها، لكن لم تريد أن تخوض كثيرا في التفاصيل! لكن ما كان يهم سعيد في الحقيقة هو معرفة هل ماريا مرتبطة أم لا؟
كان يحس أنه يعرفها من زمان بعيد، كان يحس أنه ينجذب إليها أكثر فأكثر كلما تحدثا أكثر، ربما هو بداية حب أو هو مجرد إعجاب عابر، لم يكن يعرف بعد.
بعد تردد طويل، قال لها: هل تسمحي لي يا ماريا أن أسألك سؤال شخصي؟.
قالت له: تفضل يا دكتور سعيد ولا يكن في قلبك حرج. قال: هل أنت مرتبطة أو على علاقة بشخص ما؟ ومن فضلك ناديني فقط سعيد. تبسمت قليلا ثم قالت: لا يا سعيد، لست مرتبطة بأحد. تنهد سعيد، لقد أثلجت قلبه بهذا الرد، لم يفكر كثيرا، لقد كان الرد تشجيعا له في طلب مواعدتها.
مرت الأيام والأسابيع وكان حب ماريا يكبر يوما بعد يوم ولكن عندما تقدم لخطبتها، ترددت كثيرا وقالت له: لا يمكن أن أقبل يا سعيد! ولم أعد قادرة أيضا على أن أخفي عليك الأمر، لم أستطع أن أصارحك في البداية لأني كنت أنانية، كنت أعيش أحلى أيام حياتي معك وكلما هممت أن أخبرك بسري، ينتابني شعور الخوف من خسارتك، سامحني أرجوك.
تعجب سعيد وبدت الحيرة على محياه وقال: لا عليك يمكنك إخباري، فأنت تديننا لي بذلك.
قالت له : حسنا، السر الذي كتمته عليك يوم التقينا وأردت أن أخبرك به ولم أستطع آنذاك هو مرضي يا سعيد، لقد شخصني الأطباء بمرض وراثي ناذر لا شفاء منه، فأيامي معدودات!
لم أكن أتصور أن يصل الأمر أن أتعلق بك وأحبك، كنت أظنها مجرد مغامرة عابرة وأنك ستمل مني مع الوقت وتنساني، واليوم هأنت تعرض علي الزواج. لقد وقعت كلماتها على سعيد كالصاعقة، خبر حتمية موتها كاد يفقده وعيه.
قال لها: إسمعي يا ماريا سنتزوج اليوم ولا أريد منك كلمة واحدة تتحججين بها، لا يمكنك أن تتخلصي مني بهذه السهولة، إلا إذا كنت لا تحبنني فعلا، وذلك أمر آخر!
قالت له :لا، لا تفعل، أرجوك !
قال لها: إني أحبك بصدق المشاعر والإحساس، وأنا مستعد أن أضحي بحياتي من أجلك، لن نضيع الوقت أكثر، إن الشهور التي قضيتها معك هي تساوي عندي العمر كله .
إبتسمت وقالت: لقد بدى لي يوم التقينا على ظهر السفينة، أن بك بعض الجنون، لكن الآن تأكدت أنك مجنون فعلا، ما كنت أتصور أن جنونك قد يصل إلى هذه الدرجة، كيف تتزوج من انسانة ميؤوس من حالتها يا سعيد ؟.
بعد إتمام مراسيم الزواج، عاشا شهرين سعيدين، كانت تلك الأيام مليئة بالحب والفرح، لكنها مرت كالبرق إلى أن آتى اليوم المشؤوم، أين سقطت فيه ماريا أرضا مغشيا عليها.
ــ اتصلوا به جيرانه وأخبروه أن ماريا نقلت على جناح السرعة إلى المستشفى وهي الآن متواجدة في مصلحة الإنعاش وأن حالتها تبدو مستقرة.
لقد مكثت زوجته في المستشفى بعد ذلك اليوم أكثر من ثلاثة أشهر، لم يفارقها يوما واحدا، وحين قرب أجلها حضر محاميها وبعض أقربائها، شدت بيده بكل رفق وبكل ما تبقى لها من جهد، ونظرت في عينيه وقد أنهكها المرض، وهي تبتسم بصعوبة كبيرة
ثم قالت له بكلمات متقطعة: اسمع يا سعيد لعل لن ألقاك بعد يوم هذا، أريد أن تعدني أنك لن تحزن من أجلي، وأن تحيا حياتك من أجلنا، خالية من الحزن، دون النظر للماضي، لقد منحتني الحياة، منحتني السعادة فعلا، بعد أن حرمني المرض منها، وكانت الفترة التي قضيتها معك أسعد أيام حياتي، لقد كنت لي كل شيء، وكنت أملي الوحيد في الحياة، أحببتك يا سعيد حبا لا يوصف، حب تحس به فقط الأنثى الصادقة لزوجها، عش حياتك من أجلي، فالحياة لا يجب أن تقف على أحد، حتى ولو كنت لك أعز ما تملك!
لقد تركت لك كل تروثي وأعلم أنك ستحسن التصرف بها،
مع كلماتها هذه المليئة بالحزن والآسى لم يكن بوسعي سعيد إلا النظر إليها، والدمع ينهمر من عينيه، لم يكن يقوى على الكلام أو حتى يكفكف دمعه. وبدأ يتمتم أمام الجميع: إن ألم الفراق صعب جدا إنه قاتل لا يرحم!.
أنا أحس أنني أناني .. كان لزاما علي أن أقاسمها آلامها مثل ما قاسمتني أفراحي
وهاهي الآن تغادر لوحدها، وهي التي تعودت أن تصحبني معها أينما ذهبت وارتحلت.
لقد بدا الكلام صعبا عليه وحين فاضت روحها لم يستطع أن يتمالك نفسه وملئ الحجرة بالصراخ.
بعد دفن زوجته ذهب إلى المحامي الذي كانت تربطه به صداقة طويلة، لقد كان يعرف محامي زوجته منذ الطفولة، وفي مكتبه قال له: حسنا يا أستاذ دور الزوج المخلص انتهى كالعادة متى أتلقى أموال التركة؟
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون