مسابقة القصة القصيرة

قصة : دماء ليست كالدماء ..مسابقة القصة القصيرة ..بقلم / سكينة عبد الرحمان العلج ..المغرب

قصة قصيرة بعنوان ” دماء ليست كالدماء ”
الإسم الكامل : سكينة عبد الرحمان العلج
العنوان: البلد( المغرب )، المدينة ( الدار البيضاء الكبرى)

الفيسبوك؛ https://www.facebook.com/share/1WynSfGidM/?mibextid=wwXIfr

” دماء ليست كالدماء ”
كانت البقعة واضحة، واللون أفصح من اللغو، أحمر قانٍ كدم الحروب، حرب ثانية فرضت نفسها عليها وهي لا زالت أسيرة حروب أخرى، كلّ أنثى تخوض حربًا لا يُرفع فيها سلاح، ولا يُعلن فيها نصر، فقط تسفك فيها الدماء، والحال أن الدم قرين المرأة كحاله مع الحروب، فالحرب بلا دماء تفقد عزها، والمرأة بلا دماء تفقد كينونتها، به تقاس وبه تدان، وحين ينضب، تنفى إلى الهامش، كأن حياتها حكرٌ على نزيفها، رغم أن عروقها ما زالت تنبض بالدماء؛ غير أن دماء ليست كالدماء.
لكن كريمة لم تكن راغبة في الانتماء للجنس اللطيف، ولا لطيف رأته فيه غير إسمه السخيف، وفي تلك اللحظة بالذات كرهت الأنوثة وتاء التأنيث، لعنت الجسد الذي خان طفولتها، والتاء المشنوقة في آخر إسمها التي أعدمت سعادتها، وأنكرت ما فهمه عقل طفلة لم يكمل بعد اثني عشر عاماً..
غيرت سروالها الداخلي بسرعة، شطفت بقعه مرتعبة، مسحوق ومبيض، مرة وأخرى كمن يتخلص من دماء قتيله، أعيدت الكرة في اليوم الآخر، وظلت هي متشبتة بنكرانها، تخرس فهمها، وتطفأ وعيها هاربة من المعنى ..
ثم فجأة بعد شهر عادت تلك البقع الساقطة ساخرة من نكرانها، مستفزة لعنادها، لم تقاوم هذه المرة، فقط انسلت بهدوء من بيتها وانساقت وراء رجليها النحيلتين تجر نعلها المهترئ، تعثرها حصى من هنا، وتنكزها أخرى من هناك، ولا شيء فيها يهتز كجلمود متحرك، لا تبالي إن انتهى بها الطريق أو إن انتهت هي، ولم تتوقف إلى أن وجدت نفسها تحت الشجرة التي كانت ظل طفولتها، تأملت في رأسها هذه الكلمة ” كانت “، يا له من فعل ماضي بسيط لكنه عنى لها كل الألم، وحمل لها كل النهايات، سكنت جوارحها للحظة وهي تحملق في شجرتها التي لم يعد مسموحا لها باللعب تحتها، وألعابها التي لا أحد سلبها منها لكنها علمت أنها حرمت منها، دمية القش، وصينية الطين، ومنزل الكرتون، سكنت طويلا، مطولا، ثم صرخت كممسوسة بالجن وارتمت على الشجرة، تعانقها وكل جسمها يهتز باكيا، عانقتها بحب وبقوة، دموع عينيها تختلط بمخاط أنفها ولا تكلف نفسها سحب يدها لتمسحهم عن وجهها، كأنها إن أفلتت الشجرة سيأتي من يأخذها من حضنها، فالتصقت بها كإلتصاق رضيع بصدر أمه، وإستمر شهيقها، نحيبها، أنينها، تهتز وتنوح، لم تكن هناك جثة، لكنها وحدها كانت ترى جثمان طفولتها محمولا على نعشه، وحدها علمت أن الدماء التي نزلت من حوضها في الأصل من نحر صباها..
لطالما إنتشلتها أمها من وسط اللعب لتضعها وسط أشغال البيت ومسؤوليات المطبخ متهجمة مقتضبة صارخة في وجهها : “كبرت، لم تعودي طفلة!”
إستدلت تارة بطولها، وتارة أخرى وصفت لها ثدياها بأنهما أصبحتا كثديي المرضع.
تعرت في إحدى المرات أمام المرآة، نهشها الفضول لترى ثدي المرضع الذي أصبح عندها، لكنها لم تجده، لم تجد فيها ما يشبه المرضعة غير جنسها، و لا شيء يبرزه عليها غير طول شعرها، أما صدرها فلم ترى فيه ما يميزه عن صدر اخيها، عظام متتالية تشبه ثنايا المفرك لا غير..
لا زالت تذكر وابل الضرب الذي أخذته ليلتها بعدما قصة شعرها، لكنها لم تبكي أبداً، بل إستمرت في ابتسامتها فرحة وقد أصبحت نسخة من أخيها ..
لكن الآن، آن للأوان أن يخونها، الآن أصبحت فتاة بالغة حائض، الآن لا ذريعة لها أمام أمها، لا لعب بعد الآن، لا غميضة، لا حجلة، لا عرائس القش ولا أواني الطين، يجب أن تودع ريمي وتقرأ السلام لسالي، وربما يجب أن تتابع برامج الطبخ والمسلسلات المكسيكية، ستوسمها أمها الآن بوزرة المطبخ، وتعلنها ربت البيت الرسمية، ماذا لو زوجتها؟! بإمكانها أن تزوجها إن أرادت، ألم تزج جدتها لجدها قبل أن تحيض حتى، فما عذرها الآن؟!
الآن آن الأوان لتفارق طفولتها، حتى لو كان جسمها لا يزال صبياً وعقلها فتياً، وثغرها يحوي كمّ سناً لؤلؤياً، لكن بقع الدم تلك حكمت عليها بإعدام صباها، وأمها قاضٍ قاسٍ لا يؤمن بالاستئناف، نامت باكية العين على جذع الشجرة، ولم تك ستستيقظ لولا أن أفزعها صراخ أمها، ونحيب أبيها، فتحت عيناها بتثاقل، العالم ضباب، والأصوات بعيدة، لكنها إلتقطت ذاك الحوار جيدا:
– طمئنا حضرة الطبيب ما بها ؟
– مع الأسف… ورم خبيث هو من تسبب في نزيفها …
ثم لم تعد تسمع بعد ذلك غير ضجيج بعيد، نزلت دمعة جانبية من عينها، أغمضت عيناها بهدوء، تبسمت إبتسامة عريضة، إستنشقت جرعة من الهواء باطمئنان ثم قالت فرحة:
– الحمد لله

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى