مسابقة القصة القصيرة
السيد المرشدي – مصر
—————
قابلتُ اليوم جِنِيِّة
اعتدتُ منذُ فترةٍ ممارسةَ رياضةِ المشي السريعِ في الصباحِ الباكر، بناءً على نصائح طبية. بكرتُ اليومَ قليلا، إذ ارتأيتُ بدءَ المشي عقب صلاةِ الصبح مباشرة. الجو أكثرُ لطفا من الليل. انخفضتْ درجة الحرارة بشكلٍ كبير بعد الفجر، فقادتنِي قدماي للسير بعيدا عن البلدِ والناس والطريق، حتى وجدتُ نفسي أسير بمحاذاةِ الترعة الكبيرة في مكان شبه منقطع عن العالم. أصبحتُ أرى القري والكفور على بعد ساحق، تتسع الترعة في هذه المنطقة لأكثر من 20 مترا، حيث لا بيوتَ ولا مساكن ولا بشر يردمون جزءا منها ليوسعوا أمام بيوتهم كما يحدث في بعض الأماكن. ولأني كنت أنتقلُ بسرعة، كما النصيحة، فلم يكن ضوءُ النهار قد انبلجَ بعد. اقتربتُ من منطقة يكثرُ فيها البوص والحشائش العالية على ضفة الترعة من الجانبين.
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، فتعوذت من الشيطان الرجيم، تذكرت فجأة أنّي وصلت المكان الذي تحدثَ عنه البعضُ قبل أيام أنّهم وجدوا فيه جثةً لامرأة شابة طافية فوق الماء، وقالوا إنّ أهل الخيرِ حاولوا النزول يسيرا داخل الماء لسحب الجثة، لكنها كانت تبتعد عنهم بمجرد الاقترابِ منها قبل أن تختفي تماما.
وما زادَ من قلقي، بل من رعبي وخوفي، أنّي سمعت أنينًا ونداءاتِ استغاثة تأتي من داخل منطقةِ البوص الكثيف على الضفة المجاورة لمسيري، ولأنّي دائما صاحب زعمٍ وادعاء بأنّي لا أخاف من مثل هذه الأشياء، فقد قررتُ الاقتراب للاطلاع على ما يجرِي. كانت مفاجأةً لي بكل المقاييس. كان هناك بالفعل امرأةٌ شابة ملقاة بين أعواد البوص الكثيفة، على رقبتها آثارُ دماء، وإنْ كان بها شبه حركة تشيرُ إلى بقيةٍ من حياة. تسمرتُ في مكاني لا أدري ماذا أفعل. فكرتُ في الارتداد والهروب، لكن صدَّني قدومُ سيارة من بعيد، فقررت الانتظارَ قليلا حتى تأتي؛ فأخبرُ راكبيها بالأمر طلبا للمساعدة. كانت السيارة كلما اقتربت مني، رأيتها تبتعد في طريق آخر. ارتفع صوت الاستغاثة..
– عطشى وجائعة.. لم أتناول شيئا منذ أيام، ولا أستطيع الخروج من هنا..
إنّها على قيد الحياة بالفعلِ كما خمنتُ من قبل، لا بُد إنها حالة غيرَ التي تحدث عنها الناس. أمسكتُ ببعض أعواد البوص. اقتربت أكثر وأكثر. كانت جميلة مثل جِنِّيات الحواديت.. مدتْ يدها إليّ، وهي لا تزال تئن، رُبما من الألم والوجع. دققتُ النظر نحو نحرها، فخُيّل إليّ أنَّها كانت محاولة للذبح، لكنّها لم تكتمل لسبب من الأسباب. جمالُها أنساني ما كنتُ عليه من خوف ورعب قبل وقت. يداها تكادُ تلامس يدي، فشعرتُ بنعومة ملمسها حتى قبل أن تتعانق أصابعُنا..
– أنقذها ” يا سيد ” وأجرك على الله..
حدثتُ نفسي، ذهبت عيناي سريعا إلى جسدها المتكور بين أعواد البوص والحشائش الطويلة، كان جسدا فاتنا لا ينكشف منه شيء، لكنه كان ممددا نحو الأعماق من الماء.. ساقاها طويلتان، ويدها الأخرى تحاذي جسدها نحو ساقيها.. بدأت بتلاوة آية الكرسي التي ذهبت حروفُها وكلماتها من ذهني، أحاول استرجاعها بكل ما أوتيت من تركيز.. احمرت عيناها التي كانت جميلتين منذ لحظات، انتكشَ شعرها الذي كان ينساب على كتفيها، وثغرُها الجميل الرقيق تحول إلى ما يشبه فتحة كهف بدأ يتسع. طالت أصابعُها بشكل مريع، وبدأت تخربش جسدها بأظافرها. خرج لسانُها من بين فكيها، وانقضتْ على يديّ تحاول قضمها لولا أني سحبتها في اللحظة الأخيرة.. أكملتُ آية الكرسي.. صرختْ المرأة صرخة هائلة، ارتجَّ لها المكان، وانزلقتْ سريعا إلى أسفل الماء، لا أصدق عينيّ مما أرى وأسمع.. جرحٌ صغير يسيل منه الدم في يدي.. عدت أدراجي إلى الطريق.. لا بشر ولا سيارات ولا أشياء.. طريق مقطوع.. ازداد الجو عتمة بدلا من أن يكون نهارا صحوا. أكاد يُغشى عليّ وأنا أرجع بظهري، أخشى أن أدعها خلفي، فتخرج من الماء تسحبني إليها.. كنت أسقط أرضا وأنهض حتى ابتعدت عن المكان كثيرا واقتربت من البلدة التي قدمتُ منها، ولا أدري سبباً لهروبِ كلِ من كانت تقع عيناهُ عليّ من أمامي!!
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون