مسابقة القصة القصيرة

قصة : قلم كحل .. مسابقة القصة القصيرة .بقلم / مروة سعيد يوسف- مصر

قصة/ قلم كحل

بقلم / مروة سعيد يوسف- مصر

لينك أكونت الفيسبوك:  https://www.facebook.com/marwa.said3/

 

قلم كحل

كانت اللحظة، في ظاهرها عادية إلى حدٍّ لا يلفت الانتباه… رفّ منخفض في محل صغير، إضاءة بيضاء قاسية، وأقلام كحل مصطفّة بلا ترتيب دقيق. حركة الشارع بالخارج مستمرة، وأصوات الباعة تمتزج بضجيج السيارات. كل شيء يوحي بأنها لحظة عابرة، لا تستحق التوقف. ومع ذلك، كانت تلك اللحظة تعرف طريقها إليها جيدًا، وتعرف كيف تثقل القلب دون أن ترفع صوتها.

وقفت أمام الرف، مدّت يدها ثم توقفت. قلم الكحل قريب، سهل المنال، لكن الحركة لم تكتمل… كان هناك فراغ داخلي قصير، صمت خفي، وفي هذا الصمت، جاء الأب.

لم يأتِ كذكرى بعيدة، بل كحضور كامل التفاصيل… تراه واقفًا كما كان دائمًا، في محلات لا تنتمي إلى عالمه، بين أشياء نسائية خالصة، دون حرج، دون تردد. كان يدخل تلك الأماكن بيقين من يعرف أنه في موضعه الصحيح. لا ينظر حوله ليتأكد أن أحدًا لا يراقبه، ولا يتعامل مع الأمر كفضل أو تضحية.

كان يشتري … هذه النقطة تحديدًا لم تفقد بريقها في ذاكرتها يومًا. لم يكن ينتظر قائمة مكتوبة، ولم يكن يتعامل مع احتياجات ابنته كأشياء “خاصة” يجب ذكرها بخجل. كان يرى أن ما تحتاجه جزء طبيعي من حياتها، ومن كونها أنثى، ومن كونها إنسانة. لم يكن يسأل: هل هذا ضروري؟ كان السؤال الوحيد الذي يهمه: هل هذا يناسبها؟

لم يكن غنيًا، لكن المال لم يكن عائقًا نفسيًا بينه وبين العطاء. لم يعرف الانتقاص طريقه إلى قلبه. كان يعطي لا لأنه يملك فائضًا، بل لأنه كان يرى القيمة في العناية نفسها. وكان الأثر الأعمق ليس في الأشياء، بل في الشعور الذي يتركه: أنها مرئية، مأخوذة في الاعتبار، وأن احتياجاتها لا تُختصر في الضروري فقط.

أحيانًا كان يعود بأشياء لم تطلبها. لم تكن مفاجآت كبيرة، بل تفاصيل صغيرة: قلم إضافي، زجاجة جديدة، شيء لاحظه في صمتها. الانتباه ذاته كان هدية. كان يقول، دون كلمات: “أنا منتبه لكِ، حتى وأنتِ غائبة”.

فتحت عينيها على الحاضر.

المشهد متشابه في شكله، لكنه مختلف في إحساسه. المحل صغير، الإضاءة قاسية، والرف أقرب مما تتوقع. هذه المرة، مدّت يدها وأمسكت بالقلم. الحركة كانت بسيطة، تلقائية، كأنها لا تتوقع أن يحدث شيء بعدها.

التفتت قليلًا. لم يكن هناك أحد.

لا سؤال سُئل، ولا كلمة قيلت، ولا حتى إشارة خفيفة… فقط خطوات تبتعد… حركة عادية، لا تحمل غضبًا ولا رفضًا، لكنها نهائية. مشى، وتركها واقفة في منتصف المكان، والقلم في يدها، والفراغ حولها فجأة أوسع مما ينبغي.

لم يحدث اعتراض، ولهذا كان الأمر أقسى.

كان انسحابًا وغيابًا مفاجئًا، كأن وجودها نفسه لم يستحق التوقف… شعرت، في تلك اللحظة القصيرة، أن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة… الأمان لا يسقط حين يُقال “لا”، بل حين لا يبقى أحد.

نظرت حولها بسرعة، لا لتبحث عنه، بل لتتأكد أن المشهد لم يلفت الانتباه… كان الإحراج صامتًا، بلا شهود، ومع ذلك كان فاضحًا. وقوفها وحدها، وقلم الكحل في يدها، جعلها تشعر أنها مكشوفة، ليست مرفوضة، بل متروكة… وصار قلم الكحل في يدها أثقل. ليس لأنه غالٍ، بل لأنه فجأة صار علامة… علامة على مكانتها في تلك اللحظة…على هشاشة موقعها، وعلى أنها حين احتاجت، وُضعت وحدها أمام احتياجها.

هل هذا هو شكل المشاركة؟ هل هذا هو المعنى الحقيقي لأن تكون مع أحد؟ أن تمشي الخطوة وحدك، بينما الآخر يسبقك دون التفات؟

دفعت الثمن بنفسها. فعلت ذلك بسرعة، كمن يغلق بابًا مفتوحًا قبل أن يدخل منه مزيد من الإحساس بالانكسار. لم يكن في الدفع قوة، ولا استقلال. بل كان محاولة سريعة لاستعادة توازن مفقود، لسد فجوة انفتحت فجأة في الداخل.

خرجت إلى الشارع.

كان يقف بعيدًا، كأن شيئًا لم يحدث. أما هي، فكانت تعرف أن شيئًا انكسر، لا يُرى ولا يُسمع. لم يكن غضبًا، بل وضوحًا هادئًا ومؤلمًا. فهمت أن الأمان ليس في الكلمات، ولا في المنع أو السماح، بل في البقاء. في ألّا تُترك وحدك في لحظة صغيرة، لكنها كاشفة.

سارت، وقلم الكحل في يدها أخفّ من أن يُلتفت إليه. لكن الانكسار كان ثقيلًا، مستقرًّا في مكانه. وباتت لم تعد تنتظر تفسيرًا. فقط فهمت…

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى