قصة قصيرة / كأسان
٠١٢٧٠٧١٧٣٤٨
محمد قناوي صديق
مصر
كأسان!
رشفةٌ صغيرة… ذِمّةُ الشفتين على المذاق اللاذع المثير للنشوة والشهوة المحرَّمة معًا، خوفًا من هروبهم، غمضةُ عينٍ قصيرةٌ للاستمتاع بالانتشاء بذلك الخدر اللذيذ الذي يسري في أطرافه أثرَ تلك الرشفة الأخيرة من الكأس الخامس الذي احتساه لتوِّه!!!
ببطءٍ أعاد الرجلُ الجالسُ على رأس المنضدة الكأسَ ليضعه بجوار إخوته الفارغين، ليشكِّل به دائرةً منتقصة، وهو يتمتم بهدوءٍ بالغ:
-حسنًا، كم مرَّت من الأيام منذ بداية الحرب حتى الآن؟!
مدَّ الرجلُ الذي كان يجلس في الجهة المعاكسة له يده ليملأ كأسًا سادسًا بسرعة، وهو يهزُّ كتفيه قائلًا ببساطة:
-تسعة… تسعة أعوامٍ وسبعة أشهرٍ وثلاثة أيامٍ وساعتان فقط!!!!
بنهاية كلماته وامتلاء الكأس السادس أمسكه بيده، وهو ينهض في إجلالٍ وبنصف انحناءة، مادًّا يده للرجل المتسائل، الذي أخذه منه برويَّة، ناظرًا إلى فوهته بشرود، قبل أن يتجرَّعه بأكمله مرةً واحدة!
سرت قشعريرةٌ سريعةٌ وواضحةٌ تمامًا في جسده بأكمله هذه المرة، بانت للعيان، قبل أن يلتفت إلى الشخص الثالث الذي كان يجلس معهم على المنضدة صامتًا منذ البداية، وهو يشير إليه بكأسٍ ملأه الرجل الثاني بلهفةٍ وسرعةٍ أكبر، ودفعه ناحيته دفعًا:
-لماذا لا تحتسي معنا الشراب؟ سيجعل هذا ذهنك صافيًا، وعقلك متفتحًا لكافة الآراء، ويجعلك أكثر تقبُّلًا ورويَّةً وحكمةً في اتخاذ القرارات الهامة والحاسمة؟!
تمتم الشخص الثالث هذا في حرجٍ وتحفُّظٍ دبلوماسيٍّ مدروس، وهو يدفع الكأس بهدوءٍ بعيدًا عنه:
-الخمر حرامٌ وتذهب العقل، فكيف أشربها وأنا سأقرِّر بعد قليل مصير شعبٍ مشرَّدٍ مضطهد، يزداد شهداؤه بالآلاف مع كل رشفةٍ وكل ثانيةٍ تمر؟ شعبٌ معلَّقٌ أمره وتقرير مصيره في رقبتي، وأنا أحاول جاهدًا وقف هذه الحرب المستعرة التي يروح ضحيتها كل يومٍ آلافٌ من الأبرياء… لذلك يجب أن يكون عقلي واعيًا ومخلصًا لهذه القضية!
حاول الرجل الثاني معاودة دفع الكأس مجددًا تجاه الرجل، وهو يقول بصوتٍ هادئٍ حمل كل خباثة الدنيا:
-هذا نبيذٌ وليس بخمر، وعلى حدِّ علمي المتواضع أن رجال الدين أثناء حكم الدولة العباسية أباحوا شرب النبيذ، وخاصةً للنخبة الحاكمة، كي يتخذوا القرارات الهامة والحاسمة بحكمةٍ وتعقُّلٍ وهدوء؟!
نظر الرجل الثالث للكأس بصرامة، وهو يجيب بحزم:
-لذلك انتهت تلك الدولة شرَّ نهاية، وقُتل أبناؤها بسبب ولاتها السيئين، وبتاريخٍ بائدٍ سيِّئ الذكر عند حكامها، وأنا لن أقبل أو أسمح بأن أكون مثلهم، أو حتى أن يلقى شعبٌ معلَّقٌ مصيره في رقبتي نفس نهايتهم اليوم بسبب كؤوس الخمر التي تدير الرؤوس وتجعلنا نأخذ قراراتٍ مصيريةً متأخرةً وخاطئة!
أومأ هنا الرجلُ على رأس المنضدة، والذي يبدو أنه المتحكم في كافة الأمور، برأسه في حكمةٍ واقتناع، قبل أن يشير إلى الرجل الثاني وهو ينظر إلى الكأس السابع، الذي وجده في قبضة يده بتثاقلٍ وأعينٍ مرتخية، والذي لا يعرف متى وأين وكيف ملأه هذا الساحر الخبيث ووضعه في يده، قبل أن يرفعه إلى فيه مغمضًا عينيه في استمتاع، قبل أن يقول متجشئًا بلا حرجٍ في وجه الرجل الثالث:
-عندك حق، كيف نقرِّر حرية ومصير شعوبٍ تموت أبناؤها كل لحظةٍ ونحن مخمورون هكذا؟!
صمت قليلًا، قبل أن يلتفت للرجل الثاني مكمِّلًا:
-سنحترم رأي صديقنا، وسنؤجِّل هذه المحادثة الهامة والمصيرية الخطيرة إلى جلسةٍ أخرى في يومٍ آخر وموضعٍ آخر حتى نفيق، لكي نتخذ القرار الصحيح والسليم بوقف هذه الحرب الدامية، ويجب أيضًا أن لا تحضر هذه الزجاجة الضخمة معك من جديد في مباحثتنا الهامة هذه بخصوص وقف الحرب التي تشنُّونها عليهم وتقرير المصير؟
أومأ الرجل الخبيث برأسه في طاعةٍ وتفهُّم، وهو ينهض مجددًا، منحنياً هذه المرة بشدةٍ في احترامٍ بالغ، حتى كادت جبهته أن تقبِّل البلاط بين قدمي الرجل، وهو يقول بفحيحٍ كالثعبان:
-حسنًا يا سيدي، لك هذا، لذلك سنكتفي المرة القادمة بكأسين فقط من الشراب في أول الجلسة، كي نتخذ قراراتنا برويَّةٍ وبدون تعجُّل!!
نهض الرجل الأول هنا قائلًا في حكمةٍ وسعادةٍ بالغة، معلنًا نهاية الحديث والمفاوضات:
-هذا حلٌّ جيد، الأمور تسير بطريقةٍ صحيحةٍ ومثمرة، سنرى هذا الأمر في الجلسة المقبلة حين نلتقي العام القادم!!!
صافح الرجل الثاني الرجل الأول بشكرٍ واحترامٍ بالغ، قبل أن يتجه الاثنان إلى خارج القاعة التي كانوا يجلسون بها من بابٍ خلفيٍّ بعيدٍ عن أبواق الصحافة بخطواتٍ ثابتة، إلا أن الرجل الثالث وحده خرج من الباب الرئيسي، وهو يحاول أن يعدِّل من هندامه مترنحًا بشدة، وبخطواتٍ مهزوزةٍ متعثرة، لتلاحقه آلاف الميكروفونات وآلاف الفلاشات المتقطعة الصادرة من الكاميرات، التي أخذت تصدع في وجهه من مئات الصحفيين التي انهالت أسئلتهم عليه بلا هوادة:
-هل أوقفتم الحرب المستمرة؟
-هل توصلتم إلى مباحثات السلام؟
-متى سيتوقف نزيف دماء الأبرياء المستمر؟
-متى سينتهي العدوان على أرواح الأبرياء؟
-متى… متى… متى… متى!!!!!!!!!!!!!!!
وقف الرجل الثالث، وهو يحاول أن يغلق أزرار بدلته الفاخرة بأعجوبة ليعدِّل من هيئته الدبلوماسية غير المنضبطة، قبل أن يترك كل شيءٍ ويتشبث بكلتا يديه بالمنصة الخشبية بشدةٍ كي لا يسقط أرضًا من تأثير الدوار الشديد الذي اكتنف رأسه وأشعره بخدرٍ عجيب، قبل أن يقول بفخرٍ وبفم ثقيل كمن حقق إنجازًا لن يتكرر، وهو يحاول أن يكتم بكفِّه فمه مانعًا فقماءةً هاجمته بشدة، لا يعرف لها سببًا:
-لقد توصَّلت مباحثاتنا ومجهوداتنا العظيمة، التي أحرزت تقدُّمًا كبيرًا في هذا الصراع الدائر، وتقدُّمًا ملحوظًا لا مثيل له بعد مرور عدة سنواتٍ على بداية هذه الحرب، أود أن أخبركم، وبكل فخر، بأننا قد اتفقنا في الجلسة القادمة، بناءً على طلبنا الخاص الذي كافحنا كثيرًا كي نفرضه بقوةٍ على مائدة المفاوضات، وقد رضخت كافة الأطراف المعنية إلى طلبنا الحاسم بتقليل عدد كؤوس الخمر التي سيتناولونها في الجلسة القادمة إلى كأسين فقط، كي نستطيع على ضوء هذا الأمر اتخاذ القرارات الهامة بحكمةٍ ورويَّةٍ وبدون اهتزاز… وستستمر الحرب إلى هذا الحين!!!!!!
في تلك اللحظة، لم تكن الحرب وحدها هي التي استمرّت… بل استمرّ الزمن واقفًا، والعدّادُ مكسورًا، والضميرُ مؤجَّلًا إلى إشعارٍ آخ!!!!!!
في مكانٍ ما، كانت أمٌّ تُحصي أبناءها فلا تجد إلا الفراغ، وكان طفلٌ يتعلّم العدّ لا بالأرقام،
بل بعدد الغارات بين شهقةٍ وبكاء!!!
أما الكؤوس… فلم تُغسل، بل تُركت شاهدةً على أن القرارات الكبرى لا تُصنع حين تثقل الرؤوس، ولا حين يُخفَّف الشرّ إلى كأسان.
وهكذا، لم تُؤجَّل الحرب لأن السلام لم ينضج، بل لأن الخمر لم تنتهِ بعد، ولأن العالم اعتاد أن يفاوض الموت وهو سكران !!!!!!!!!!!!!!!!!
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون