عاطف عطيت الله
مصر
عضو اتحاد كتاب مصر
قنا. دشنا. أبو مناع بحري
01221814067 [email protected]
موت
غاضبا، غارقا في عرقه.. تأمل العلبة الفارغة التي تدحرجت، حتى استقرت بإحدى زوايا الغرفة الجديدة، قبل أن يقفز من فوق البرميل، ويريح الفرشاة داخل كرتونة تحتضن “جركنا” بلاستيكيا، معبأ حتى المنتصف بالسائل النفطي، وبعض علب الطلاء ذات الألوان المختلفة.
على إثر صيحته التي ترددت بالمكان ارتبك الصغير، فتوقف عن محو بقع الطلاء المتناثرة فوق البلاط بغرفة مجاورة، ونهض مهرولا!..
حين رآه غاضبا يحملق بالعلبة الفارغة، وقف بجوار الباب، وقد عقد الخوف لسانه.. ورغم خوفه كان حريصا كل الحرص على إبقاء ذراعيه مكتوفتين خشية أن يلمس شيئا!…
ــ بسرعة البرق، أخبر ذلك الأحمق بأن يعطيك نفس هذا اللون!..
كانت كلمات الأخ الأكبر لا تفسح مجالا لأي حوار، أو اعتذار.. أراد أن يخبره بأنه متعب، مثله يعمل منذ بداية اليوم.. لكن تقطيبة الوجه، والأصبع السبابة الممتدة في تصلب باتجاه العلبة ألجمتا لسانه من جديد، فالتقطها.. وخرج متذمرا!…
بمرور بعض الوقت..
شعر هو بالملل؛ فخلع فردتي القفاز البلاستيكي الشفاف من يديه.. دخل الغرفة المجاورة.. تأمل لبعض الوقت مكان أخيه.. كان قد مسح ما يقرب من منتصف الغرفة.
نظر في ساعته متأففا، ثم عاد إلى غرفته وأخذ يمر بأطراف أصابعه فوق أسطح الجدران المصقولة مستمتعا بملمسها الناعم، وحين التفت إلى النافذة ووقعت عيناه على ذلك الجزء الذى تبقى دون طلاء هز رأسه، وقال في غيظ:
ــ عجيب أمرنا.. لا تكتمل معنا أبدا!!…
فكر أن يقتل بعض الوقت بالتدخين، فجلس فوق البلاط البارد، ودس يده بسيالته ليخرج علبة سجائره.. غير أنه قبل أن يشعل سيجارته انتبه مفزوعا..
فقد جعلته الأصوات العالية، والتي ابتلعها صراخ مفاجئ يجري إلى الشارع!…
منذ ذلك الوقت..
وهو يكره السيارات، وكل الألوان!…
ــ تمت ــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الجركن : وعاء من البلاستيك، ونحوه لحفظ السوائل.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون