قصة قصيرة بعنوان: وما خفي كان أعظم
الكاتب/ محمد أبوالخير ستو
الدولة: مصر
الهاتف / اتصال وواتس: 01127407808
فيس بوك: https://www.facebook.com/mohamed.seto.946
ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
وما خفي كان أعظم
لم يؤمن «الإمبراطور»، الرجل الثري الذي جاوز الخمسين، يومًا بالمرأة شريكًا في الحياة. نشأ على احتقارها فكرةً وكيانًا، وتصلّبت قناعاته مع مرور السنين حتى غدت كقلاعٍ من صخرٍ لا تهتز.
في عالمه، لم تكن المرأة سوى ظلٍّ عابرٍ لا يستحق الالتفات، غير أنه لم يكن يدري أن القدر كان يترصده بمدٍّ جارف، سيهدم حصونه جميعًا ويقلب يقينَه رأسًا على عقب.
وفي لحظةٍ ظنّ فيها أن أسواره عصيّة على الانهيار، تسلّل القدر من أضعف منافذه، إذ اقتحم عالمه حضورٌ لم يكن في حسبانه؛ فتاةٌ في العشرينات، فاتنة الملامح، فائقة الجمال، ذكية الحضور، داهمت حياته كما تداهم العاصفة قصرًا مهجورًا.
في البداية، لم يختلف أمرها عن سواها؛ مجرد وجهٍ جميل قابله بالصدّ والإهمال. غير أنّ شيئًا خفيًا استوقفه؛ إذ وجد في رفضها للرجال صدىً لعناده، وفي صلابتها انعكاسًا لصلابته. ذلك التنافر، الذي بدا في ظاهره تصادمًا، كان في جوهره تناغمًا خفيًا، حتى صار الخيط الذي نُسجت به الحكاية.
كان لقاؤهما الأول وليدَ كبرياءٍ مُهان؛ بدأ الأمر حين دخل عليه مدير أعماله الشاب، وعلى وجهه تلك النظرة التي كان الإمبراطور يمقتها: نظرة الهزيمة.
قال مترددًا:
– سيدي، بخصوص قصر الشاطئ… صاحبته ترفض جميع عروضنا.
جاء الرد قاطعًا، بلا اكتراث:
– ضاعف الثمن إذن، وكفّ عن إزعاجي بتفاهات كهذه.
تردّد المدير لحظة، كمن يبحث عن شجاعة لا يملكها، ثم قال:
– فعلتُ، سيدي… لكن الأمر ازداد سوءًا. إنها تصرّ على مقابلتك شخصيًا، وترفض أي وسيط.
ساد الصمت. شعر الإمبراطور بوخزة إهانةٍ مباغتة، كأن أحدهم خدش صرح كبريائه في موضع لم يُمسّ من قبل. مدّ المدير إليه ورقةً صغيرة، رسالةً كُتبت بخطٍ واثق لا يعرف التردد:
– «لن أبيع قصري لوكيل. إمّا أن يأتي إمبراطورك بنفسه، أو فليبحث عن قصرٍ آخر. ولو وُضعت كنوز الأرض بين يديّ، فلن أبيع إلا للإمبراطور وجهًا لوجه.»
استشاط كبرياؤه، فدفعه غروره إلى اللقاء. وفي المواجهة الأولى، تلاقت كبرياء الرجولة بعناد الأنوثة؛ صدامٌ صامت أفضى إلى بصيص انبهارٍ لم يعرفه من قبل.
وتكرّرت اللقاءات بذريعة التفاوض، فتحوّلت المماطلة إلى مشاكسة، والمشاكسة إلى لهفة، واللهفة إلى شغفٍ متأجّج، حتى وجد الإمبراطور نفسه، بعد نصف قرنٍ من الوحدة، يهاتفها كصبيٍّ يكتشف الحبّ للمرة الأولى.
ذاب في حبها بجنون، وكأن نفسه تحرّرت من قيود لهفة طالما بغضها، فيما بدا أنها أكثر شغفًا به. لم ينتظر كثيرًا؛ طلب يدها، فقبلت، وتم الزواج بعقدٍ عرفي سريع شهد عليه مدير أعماله الذي ابتسم ابتسامة غامضة لم يفهم الإمبراطور مغزاها حينها. ولأول مرة، سكنت امرأة قصره وقلبه معًا.
كانت الأيام الأولى أشبه باكتشاف مذهل؛ عالمٌ من الدفء والحميمية لم يكن يعلم بوجوده من قبل. أغرقها بالهدايا النفيسة، ثم فتح أمامها خزائنه دليلًا على مكانتها الجديدة، ليواسي بها ما تركه الحرمان الطويل في نفسه. لكنها كانت تفاجئه في كل مرة؛ تنظر إلى المجوهرات والأموال ببرودٍ لا يليق بأنثى، ثم ترفضها برقةٍ حاسمة. وفي إحدى الليالي، أمسكت بيده وقالت بنبرة صادقة هزّت كيانه:
– لا أريد كنوزك… كنزي الحقيقي هو أنت، لا أريد سوى أن أصبح جزءًا من دفء جنة قلبك.
تلك كانت اللحظة التي انهار فيها سور كبريائه الأخير. لم يعد يراها امرأة عادية، بل قديسةً زاهدةً، لا تطمع في ثروته، وإنما في روحه.
آمن بها وصدّقها، وباتت أبوابه ثقةً مُطلقة أمامها، حتى بلغ به الوله أن منحها توكيلاً عامًا يضع مفاتيح إمبراطوريته كلها بين يديها. اتفقا على إعلان الزواج بعد عودته من رحلته الأخيرة خارج البلاد، وقبل أن يغادر، ترك لها رسالة بجوار فراشها:
– أملاكي ومالي تحت أقدامك يا ملكتي… سأعود سريعًا لنعلن زواجنا أمام العالم.
عشرة أيام غابها بدت له دهورًا. وحين عاد، لم تطأ قدماه الأرض، بل كان يطير بلهفة عاشقٍ ولهان. صاح باسمها في بهو القصر الشامخ، فصفعه الصدى في وجهه كأول نذير شؤم… صمتٌ غريب، ثقيل، لم يعهده في القصر الذي كان يضجّ في الأيام الأخيرة بضحكاتها.
بدأ يبحث عنها، في البداية كان قلقًا، ثم تحول القلق إلى حيرة وهو يجوب الغرف الفارغة.
– ربما خرجت لتفاجئني…
همس لنفسه، متشبثًا بآخر خيوط الأمل. لكن حين فتح خزانة ملابسها، وجدها جرداء تمامًا، خاوية، إلا من رائحة عطرها التي بقيت كشبح يسخر من ذكراه.
هنا، بدأ قلبه يقرع طبول الخوف. ركض إلى مكتبه ليهرب من الفكرة التي بدأت تلتهمه، وهناك جاءت الضربة القاضية: الخزينة الضخمة، التي لم يجرؤ أحد على لمسها، كانت فاغرة فاها بسخريةٍ فارغة. لم يعد الأمر مجرد غياب، بل أصبح محوًا كاملًا. وحين حاول الاتصال بمدير أعماله، وجد هاتفه مغلقاً، اختفى هو الآخر، كأن لم يكن.
لحظات، تجمد في مكانه، وعقله يرفض أن يربط الخيوط. ثم تحرك، ليس ركضًا هذه المرة، بل سار بخطى آلية، مدفوعًا بآخر بقايا الأمل، إلى قصرها القديم. هناك، سأل الجيران بصوتٍ لم يتعرف عليه، وجاءه الجواب بسيطًا، قاطعًا كحد السيف:
– كانت ممثلة صاعدة، يبدو أنها أنهت دورها ورحلت.
عندها فقط، انهار كل شيء. لم تكن صفقة خاسرة، بل مسرحية مُحكمة أخرجها أقرب الناس إليه، ولعبت بطولتها المرأة التي لم تهدم قلعته فحسب، بل بنت على أنقاضها وهماً عظيماً.
لم تكن الخسارة مجرد مال، بل خسارة روحٍ وإيمان. لقد راهن على حبٍّ متقن الصنعة، فإذا به سراب. استنفد ما تبقى من عقله في محاولة يائسة للفهم والإدراك، حتى استسلم سريعًا للعجز واليأس.
قضى ما تبقى من عمره خلف نوافذ مصحة مظلمة، بات الإمبراطور الثري جسدًا صامتًا، بعينين غارقتين في دموع جافة، وقلبٍ لم يعد يعرف انتظامًا للنبض.
لقد أصبح هو نفسه قصرًا خاوياً… شاهداً على أن ما خفي من الغدر كان أعظم من كل ما ظهر من الحب.
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون