مسابقة القصة القصيرة

قصة : رغم أنف السجان .. مسابقة القصة القصيرة . بقلم / محمود السيرة .مصر

الاسم: محمود أحمد إبراهيم علي
اسم الشهرة: محمود السيرة
الدولة: مصر
فرع المسابقة: قصة قصيرة
اسم القصة: رغم أنف السجان
فون وواتساب: 01092589471
لنك الصفحة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/share/1GhzGiDvdG/
النص:

ترك من معه في الغرفة وانزوى في ركن ليس ببعيد، لا يفصله عن بقية أصحابه سوى قطعة من القماش لا يصح أن يُطلق عليها ستارة. كان فعل ذلك معتادًا بين تلك الصحبة التي أُجبرت أن تكون في ذلك المكان دون أدنى اختيار من أي واحد فيهم، منهم من يعرف الآخر من قبل ومنهم من رأى الآخرين لأول مرة، ولكن لطول مدة بقائهم معًا صاروا أصحابًا، بل أصدقاءًا.
كان فعل ذلك معتادًا حينما يهم أحدهم بالاستتار لقضاء حاجة في الوعاء المخصص لذلك، أو لقضاء حاجة أخرى في وعاء آخر مخصص لتلك.
التفتَ عدة مرات نحو باب الغرفة ولم يهمه من بجواره، فهم يعرفون ما يقوم به وأخذوا يتجمعون بالقرب من الباب وأعلوا صوتهم بالحديث حتى لا تراه عين حارس أو تسمعه أذن عابر بالخارج.
أمسك الأنبوب الزجاجي الصغير وهم بقضاء ما انتوى قضاءه، كانت تلك اللحظات جد صعبة بل قاسية عليه، تذكر خلال معاناته فيها أحداثًا مرت به منذ أن كان طفلًا حتى جيء به إلى ذلك المكان المشئوم.
أولها عندما كان طفلًا صغيرًا يلهو أمام بيته المتواضع فرأى أباه آتيًا يلهث حاملًا جثة أخيه الأكبر ذي العشرة أعوام غارقًا في دمائه مثخنًا في جراحه، وفي رأس أبيه جرح غائر ينزف دمًا بينما عيناه تنزف دمعًا ألمًا وحزنًا، ومن بعيد يجري وراءه بعض من جنود الغرباء الذين يعرفهم جيدًا.
وعندما اقترب منه أبوه نظر في عينيه نظرة لم ينسها وجثا على ركبتيه وحنى ظهره ووضع رأسه على رأس ابنه المقتول ونطق الشهادتين حتى أتى الجنود وركلوه عدة ركلات ليتأكدوا أنه قد فارق الحياة.. للأبد.

“ما الخطب؟”
أخرجه ذلك السؤال الآتي من الخارج بلغة عربية ركيكة من حالة ذكرياته تلك، ومسح بيمناه التي تمسك الأنبوب قطرات عرق سالت على جبهته، أجاب بعض من بالغرفة سؤال الحارس وأشار آخرون لزميلهم هذا بعدم الاكتراث والانشغال عما يقوم به.
أسند رأسه مرة أخرى إلى الجدار ومازال مادًا الأنبوب أمام خصره، اهتزاز جسده ذكره برقصه في حفل زفافه على عروسه التي تم القبض عليه قبل أن يدخل بها.
كان قد اعتزم ومضى قدمًا في الثأر لأبيه وأخيه وآخرين ممن كانوا قريبين منه ولقوا حتفهم على يد الغرباء، وتعاون مع فتيان وشباب الحي ممن كان لهم نفس اعتزامه. كانت لهم صولات وجولات في ذلك استمرت لسنوات، كر وفر، نجحوا مرات وأخفقوا مرارًا، ولما أن بلغ مبلغ الزواج واختار عروسه وبعد أن فرغ من احتفالات الزفاف وفي طريقه إلى بيته الجديد كانت تنتظره دورية من هؤلاء الجنود، اختطفوه من يدي عروسه وبعد محاكمة صورية أودعوه سجنًا من سجونهم الكثيرة بعد الحكم عليه بالسجن المؤبد.

“أسرع يا فتى!”
كان ذلك النداء الصادر من صديقه المقرب في المعتقل وأخي زوجته والذي صادف تذكره ليلة زفافه وتخيله لأحداثها التي لم يعشها بمثابة أمر الانطلاق وإنهاء المهمة الصعبة.
امتلأ الأنبوب، ورغم ارتياحه إلا أن توتره قد زاد أضعافًا لا سيما بعد فشل التجربة الأولى حينما فسد ما بداخل الأنبوب قبل وصوله إلى مقره المراد.
لم يكن مقتنعًا في البداية بذلك الأمر عندما عرضه عليه أصدقاؤه لكنه تدريجيًا انشغل به وفكر فيه وسمع من غير واحد من أصدقائه في السجن عن محاولات بعضهم التي كُللت بالنجاح، وعن رأي مسئولي الإفتاء الشرعي بجوازه مع وضع ضوابط صارمة، مغامرات كثيرة منها المُضحك ومنها المُبكي، وفي بعض الزيارات كان يرى أطفالاً صغارًا بصحبة أهليهم عرف فيما بعد أنهم أبناء زملائه في المعتقل وأنهم زُرعوا داخل أرحام أمهاتهم ووُلدوا بعيدًا عن أبائهم بنفس الطريقة التي اتبعها.
أخذ صديقه الأنبوب -وكان هو من جلبه من عيادة السجن الطبية خلسة- وبحرص شديد أمسك أحد الأكياس بعد أن كسر جزءًا من قالب الشوكولاتة التي كانت بداخله ووضع مكانه الأنبوب وأعاد غلق الكيس كأن شيئًا لم يكن، ووضعه وسط أكياس حلويات أخرى كان قد اشتراها من كانتين السجن حتى يعطيها لابنه الصغير مهند الذي سيأتيه بعد ساعة أو أقل مع أمه وجدِّه في زيارتهم الأسبوعية له في معتقله.

قاما سويًا بعد أن سمعا اسميهما في قائمة المطلوبين للزيارة ومشيا .. الصديق ممسكًا بكيس بلاستيكي يحوي عددًا من أكياس الحلوى والشوكولاتة، أما هو فعيناه معلقتان على ذلك الكيس ولولا أنهما اتفقا لَمدَّ يده ليمسك بالكيس الذي يضم قطرات من روحه ربما تحمل إليه بشارة غالية في المستقبل القريب.
خرجا إلى المكان المخصص للزيارة، وكان بانتظارهما بالخارج العروس الشابة وأبوها ومهند ابن أخيها وأمه، وبجانبهم حماتها العجوز وخال زوجها، أقبل على عروسه يملؤه الشوق والحزن معًا وضمّها بين ذراعيه ليجد عيناه قد اغرورقت بالدموع، وحتى لا تسيل على وجهه تركها ليُقبل رأس أمه ويُرحب بخاله.
تجاذب الجميع أطراف الحديث وفي خضم المزاح أعطى صديقه كيس الحلويات لأبيه الذي أمسكه بحرص بالغ وأخرج منه بعض الأكياس ليعطي منها حفيده واحتفظ بالكيس المنشود بين اثنين آخرين بحجة أعطائها لحفيده في طريق عودتهم.
وسط ضحكاتهم أخفى الجميع علامات الترقب والقلق لما علموه من الزيارة السابقة بمحتويات تلك الأكياس في هذه الزيارة.
أعلن مذياع المعتقل أن وقت الزيارة قد انتهى وعلى الجميع الاصطفاف استعدادًا للتفتيش قبل الخروج.
رغم اجراءات التفتيش المشددة على الجميع، إلا أن لحُسن الحظ قد كُتب للأنبوب النجاة وكُتب لما بداخله الخروج إلى فضاء الحرية.
واصلت تلك العينة التي بداخل الأنبوب طريقها المنشود، فقد غيرت السيارة التي أتت بالزائرين طريقها فتوجهت إلى مركز الإخصاب والتلقيح الموثوق به، ووسط إجراءات دقيقة للغاية تم تسجيل العينة تحت نظر الشهود، وقد تم تحديد موعد زراعة تلك النطف المهربة داخل رحم العروس التي لم يمسسها زوجها، وفي الليل وبعد صلاة العشاء تم إذاعة الخبر في مسجد الحي للتوثيق والإثبات.

لم يهدأ له بال في محبسه، حتى مع مجيء الأخبار تترى مع الزوار بأن كل شيء على ما يُرام وأن عملية التلقيح وزراعة النُطَف قد تمت ويؤكد الأطباء مع مرور الأيام أن الحمل مستقر.
كان دائم التفكير في مستقبل طفله -ذكرًا كان أم أنثى- فهو قد حُكم عليه بالسجن المؤبد، أي أنه لن ينعم بابنه -أو بنته- كباقي الآباء ولن يهنأ برؤيته يكبر وينمو أمام عينيه.
كان قلقًا أيضا على نظرة أهالي حيه لزوجته ولابنه لحملها وولادته بتلك الطريقة، رغم أنه ليس الأول ولن يكون الأخير في ظل هذا الاحتلال المقيت، فالجميع يعلم أنه لا خلاص من أيدي السجان سوى تهريب بضع قطرات تهب الحياة لذرية قد تغير واقعًا مريرًا يعيشه أهل فلسطين كلهم أجمعين.
مرت الأيام بطيئة عليه داخل جدران السجن، سريعة جدًا خارج أسواره، وجاء اليوم الذي ينتظره منذ شهور، طفله الرضيع بين يديه، خرج من السجن نطفة مهربة داخل أنبوب ليعود على ذراعي جدته التي أتت به تاركة أمه بالخارج حتى لا يرتاب المفتشون.
حمله ونظر في عينيه نظرة كتلك التي نظرها إليه أبوه منذ زمن كأنما يقول “لم تنتهِ الحكاية يا وليدي، إنما قد بدأت للتو”.
وعندما سألته أمه عن الاسم الذي اختاره لابنه، رفع رأسه ناظرًا للسماء الواسعة قائلا :
“سفير .. سفير الحرية، رغم أنف السجان”

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى