
مسابقة القصة القصيرة
محمد مصطفى الخميسي
رقم الواتس 2001065108829
البريد الإلكتروني
[email protected]
Mohamed
لست ابني ..
قصة قصيرة ..
ألقيتُ حقيبته البالية على الأرض، وحدّقتُ في الصبي ذي الاثني عشر عاماً بعيون باردة، مطفأة:
«أخرج.. لستَ ابني .. أمك وماتت .. ولا أجد سبباً يجعلني أرعاك .. اذهب حيث تشاء.»
لم يبكِ ، لم يتوسّل ، بل اكتفى بأن خفَض رأسه، ثم التقط حقيبته القديمة من الأرض ، وغادر في صمت دون أن ينطق بكلمة واحدة.
بعد ما تزوجت أنا أمه منذ ثلاث سنوات رعيته كما كنت أرعى أمه.. لكنها بعد ثلاث سنوات تركتني وهي توصيني على ابنها .. و ماتت ذات يوم مطير ..و رغم أننا كنا نتوقع نهايتها لما كانت تعانيه ونعاني نحن معها .. فقد أصابها فيروس كبدي .. أصابها فجأة دون أن تحطات منه ، فقد باغتها الموت رغم أنها كانت تتوقع حياة هادئة ..
أما أنا قد أكون قد تزوجتها لحاجتي للنساء .. رجل له طلباته ورغباته .. لكنها تمسكت بطفلها وأنا أقنعها بالزواج .. هي كانت تريد رجلا ينفق عليها وعلى ابنها ، وانا احتاج أنثى .. للأسف ماتت وتركتني وحيداً مع طفلها الذي كان لايزال في الثانية عشرة. لكنه لم يكن ابني. لم يكن من دمي.
حين تزوّجتها كانت هي في السادسة والثلاثين من عمرها.. كنتُ أُعجب بها كامرأة قوية، ربّت وحيدها من زوج سابق وقلت في نفسي: «سأقبل بها، وسأقبل ابنها من أجل خاطرها»
لكن يبدو أن الحبّ الذي لا ينبع من القلب لا يعيش طويلاً .. وطالما كنت أتساءل أكان هذا حبا أم كان نزوة.. ؟
و كنت أعتني به عندما كانت هي موجودة ، لا عن حبّ، بل عن واجب . لكنها عندما رحلت انهار كل شيء. ولم يعد هناك شيء يربطني به. وكذلك لم تعد هناك أيّ علاقة لبقائه في حياتي وكأني كنت اتربص له في موقف أو زلة ..
رغم أنه كان دائماً صامتاً، محترماً، ولم يسبب لي اي إزعاج إلا أنه كان بعيداً في عالمه. وكنت أعلم في أعماقي أنّي لم أحبه ولن أحبه يوماً.
بعد شهر واحد من دفن أمّه، قلت له:
«ارحل.. لا اتحمل أن أرعاك »
ظننتُ أنه سيبكي.
ظننته سيتوسّل.
لكنه لم يفعل.
غادر بصمت ولايزال مطأطئا رأسه .
أما أنا فلم أشعر بشيء.. لا بالذنب .. ولا بالشفقة.
بعد ذلك غادرتُ البيت القديم ، وانتقلتُ إلى مكان آخر. وتحسّنت حياتي ، و ازدهرت تجارتي.
والتقيتُ امرأة أخرى واتفقنا على الزواج . عليِّ أجد عندها السكينة واهدأ بين ذراعيها..لكن بلا أبناء. و لا أعباء.. فقط هدوء.. راحة.
ولكنني عجبت من نفسي ..! لأني وجدت نفسي من باب الفضول أتذكره .. رغم مرور تقريبا عشر سنوات وجدت صورته تلح على ذهني ورأيتني أتساءل :
ترى أين انتهى به المطاف؟ وهل لايزال حيا؟
يتيم في الثانية عشرة وقتها ، بلا أهل، ولا مأوى .. أين يمكن أن يذهب؟ لا أعلم.. ولم يهمّني أن أعلم.
لكنني وجدتني أفكّر:
«إن كان قد مات ، فربما كان ذلك أفضل له .. على الأقل لن يعاني بعد الآن.»
إلى أن جاء ذلك اليوم — بعد عشر سنوات تمامًا…
رنّ هاتفي .. رقم مجهول.. و سمعت صوت شاب يقول لي:
«مرحبًا، أستاذ ؟ هل بوسعك حضور افتتاح معرض فني هذا السبت؟ هناك من يتمنّى أن تكون موجودًا.»
كنتُ على وشك أن أُغلق الخط — فلم أكن أصلا أعرف أي فنان. وليس لي أي علاقة بالفن .
لكن قبل أن أغلق الخط.. أضاف نفس الصوت جملة جمّدت الدم في عروقي:
«أتريد أن تعرف ما الذي حلّ بالطفل الذي تخلّيتَ عنه منذ سنوات…؟ »
حين سمعت هذه العبارة جمدت يدي فوق شاشة الهاتف، و رفض عقلي استيعاب الجملة.
ولم يكن هذا الصوت غاضبًا،و لم يكن متوسّلًا، بل كان هادئًا… أكثر من اللازم.
سألته «من أنت؟» رغم أنني كنت أعرف الجواب في داخلي.
اجابني:
«ستعرف حين تأتي، السبت، الخامسة مساءً. المعرض في مركز الفنون وسط المدينة. أرجو ألا تتأخّر.»
وانقطع الخط.
قضيتُ الأيام التالية في صمتٍ مشوّش، أتراه غاضبا؟ أتراه يريد مواجهتي؟ أيريد الانتقام؟
لكن حين حلّ السبت، ارتديتُ بدلتي كما لو كنت ذاهبًا لعزاء … ليس لحضور افتتاح معرض فني.
و ترددت عندما دخلت القاعة محاولًا ألا أبدو مرتبكًا. كانت القاعة مزدحمة، واللوحات معلّقة على الجدران بإضاءة ناعمة. فنون تجريدية، وجوه غامضة، ألوان حزينة… لكن شيئًا في الجوّ كان يخصّني، شعور خفي بأنني غريب أوضيف شرف وليس لمثلي أن أتواجد هنا .
فجاة رأيتها — صورة أمه .. معلقة في صدر القاعة..
بابتسامتها الهادئة، ووشاحها الأزرق الذي كانت ترتديه قبل وفاتها … وتفاصيل دقيقة لا يعرفها سواي وسواه.
ولم يعد لدي شك أنه هو .
فجأة استقبلي شاب في الثانية والعشرين، أطول ممّا كنت أذكر، و أنحف مما كان عليه ، بعينين أعرفهما جيدًا إنها عينَي أمّه.
ابتسم حين رآني، لا سخرية، لا حقد. مجرّد سلام.
واقترب ثم قال بهدوء:
«شكرًا لأنك طردتني. ..لولا ذلك ماكنت سأجد نفسي وامنح نفسي النجاح ..”
ومد يده مصافحا واستمر :
«لا تعتذر. لا أحتاج لاعتذارك. كنتَ صادقًا في رفضك… و كنتُ أنا صادقًا في رغبتي أن أعيش مهما كلّفني الأمر.»
لم أنطق أنا ببنت شفة ..و سكت هو لحظة، ثم تابع:
«نمتُ في الحدائق في مداخل البيوت ، جعتُ ، لأنك لم تلق لي أي مال كما ألقيت بحقيبتي على الأرض
كان معي جنيه واحد تركته أمي معي .. وذهبت لأشتري رغيفا .. وجلست لآكله على رصيف الشارع إلى أن التقطني رجلٌ عجوز وأخذني بيته ثم أسلمني لزوجته التي احتضنتني .. علمني هذا الرجل الرسم والألوان وأدخلني مدرسة للفنون .. والحمد لله أولا ثم لهذا العجوز الطيب وزوجته.. وها أنا اليوم أبيع رسوماتي ،
و لدي “إيتيليه” خاص ، ومعرض متنقّل.
فما رأيك فيما حدث لي بعد خروجي من بيتك يا .. ؟
ولم يشأ ان ينطق بإسمي ،ونظرتُ إليه، عاجزًا عن قول شيء.
لكنه أكمل، دون تردد:
أردتُك أن تأتي اليوم، لا لأسمع اعتذارك… بل لترى بنفسك أن الحب لا يُورّث… ولا يُشترى… لكن يمكن أن يُزرع، حتى في الصخر .
كنت أتمنى أبوتك وخصوصا بعدما فقدت أمي ، وأصبحت وحيدا بهذه الدنيا .. لكن رغم كل ماحدث لي بسبب طردك لي مثل كلب أو قط مزعج .. فأنا أسامحك ولو احتجت لشيء فهذه أرقام تليفوناتي .
ثم ابتعد، وتركَني.
بكيتُ، لا ندمًا … بل حسرة على قلبٍ كان يمكن أن يحبّ .. و طغي عليَّ إحساس أنه لو عاد بي الزمن ، لكنتُ احتضنتُه يوم أن دفنّا أمّه، بدلًا من أن أطرده من حياتي . وكنتُ ربيتُه ، لا لأنه ليس ابني .. بل لأنه إنسان.
وقفت أمام اللوحة .. لوحة أمه ، أحدّق في وجهها، وبكيت للمرة الأولى منذ عشر سنوات.
.. و طغي عليَّ إحساس أنه لو عاد بي الزمن ، لكنتُ احتضنتُه يوم أن دفنّا أمّه، بدلًا من أن أطرده من حياتي . وكنتُ ربيتُه ، لا لأنه ليس ابني .. بل لأنه إنسان.
وقفت أمام اللوحة .. لوحة أمه ، أحدّق في وجهها، وبكيت للمرة الأولى منذ عشر سنوات.
**