“اللحظات السعيدة ما هي إلا عرض ألعاب نارية في سماء ليلية، سرعان ما تختفي وتتحول لدخان أسود قبيح المنظر.”
“آخر الفنجان” رواية اجتماعية نفسية، تحكي عن الصراع الداخلي في النفس البشرية، وكيف تولد الأفكار “السوداوية والسلبية” داخل الإنسان المنهك نفسيا، وتبين كيف يكاد “فكر الشيطان” أن يكون المنتصر الدائم مع تراكم طبقات القهر والصمت الإجباري، حتى تتحول النفس إلى ساحة حرب مستمرة بين “نعم” و “لا”، بين الرغبة في الحياة والنفور منها، وتتردد في غياب الأمل والدعم والمعنى الحقيقي لكلمة “حياة” لكلمة “إنسان”.
تدور أحداث الرواية في أماكن حقيقية لها خصوصيتها الثقافية، وهي “جزيرة توتي”، ومدينة “أم درمان”، وشارع “العرضة”، وكباري رمضان، إضافةً إلى العلاقات الاجتماعية داخل هذا المجتمع كما هو، ليس كما تصوره بعض الإعلام “بلد ضائع، فقير، جائع” وأيضًا “إرهابي”.
“عبد الغفور” بطل الرواية الذي عاش حياة متقلبة، وخاض في مسرح الحياة أحداثًا طويلة ومليئة بالكثير من اللحظات “مخفية، مضحكة، حزينة، مفرحة، عشق ورومانسية، وأيضًا غريبة”.
سؤال لكل من يقرأ هذا النص..
“هل يمكن للحب أو الانتماء أن يكونا كافيين لإنقاذ إنسان محاصر بداخله؟”
“أليس الموت راحة لإنسان تطحن جسده الحرب النفسية؟”
** تبدأ الرواية بمغادرة عبد الغفور في لحظة غامضة البيت دون ان يودع والده الوحيد الذي احياه تحت كنفه حتى صار شابا في العشرين…
” – الى أين يا ولدي؟! هل ستغادر كغيرك من الشباب الى أوربا وأمريكا؟! وبعد اسابيع تغير أسمك من عبد الغفور الى ريتشارد أو مورغن! ابقى على الوطن يا ولدي صدقني لن تتذوق طعم الراحة والأمان سوى في السودان، نحن نعيش هنا منذ أكثر من ستون عاما، وها أنا اكلمك الآن، ما الذي حدث لنا؟ هل متنا جوعا كما يزعم بعض الاعلام الكاذب؟ هل تشردنا من بيوتنا؟ نعم نحن فقراء مال، ولكننا اغنياء حياة، نحن نملك ما يتمناه غيرنا، لا أعلم ماذا حدث لهذا الجيل ليسعوا للهجرة عبر قوارب غير آمنة منذ ريعان شبابهم، آااه يا ولدي قلت لك ما لدي، أرحل ان شئت ولكن لا تعد الى هنا ببطاقة مكتوب عليها ريتشارد، أليس لديك ما تقوله يا أخي لهذا العبد الغفور ليتراجع عن هذا الغباء؟…. يتململ عم عبد الغفور في جلسته وتمتم بكلمات غير مفهومة، ثم قال بصوته المبحوح: لا اعلم حقيقة ماذا أقول له يا أخي! هو شاب في العشرين من عمره، بماذا سيفيد نصحي له؟!… عبد الغفور وهو يحزم في أمتعته: عمي معه حق يا أبي، لست صغيرا لتقول لي ماذا أفعل، وماذا لا أفعل، لقد قررت وانتهى الأمر، اكمل أنت وعمي باقي الستون عاما ستون اخرى على ضواحي مدينة “أمدرمان”….
– حسنا يا ولدي، اذهب حيث تشاء، ولكن أما كان من الأفضل ان تخبرني بهذه الرحلة منذ أن فكرت فيها؟
-فكرت فيها قبيل دقائق وها أنا انفذها أمامك، ماذا تريد من بقائي انت؟ بماذا يفيدك بقائي هنا؟… اخذ الأب نفسا عميقا ثم قال: ارحل، ارحل الى حيث تشاء،
لملم عبد الغفور أمتعته داخل حقيبته، حملها وبدأ السير نحنو الباب بخطوات سريعة، لحظة فتحه الباب اصدر صفير وضجيج الحديد عندما يحتك ببعضه، بصوت عالي وغاضب قال الأب له: اغلق هذا الباب بإحترام وادب، فخلف هذا الباب كبرت وترعرعت يا ناكر المعروف، هذا هو الباب الذي سترك لاعوام عليك احترام التاريخ،… توقف عبد الغفور موجها وجهه لخارج البيت وظهره الى داخله وسط الباب بضع ثواني ليسمع كلام أبيه الاخير، لم يرد عليه بحرف، تابع خروجه من الباب وعند اغلاقه الباب اصدر الباب ذات الضجيج عند فتحه، وبعد مغادرة الشاب البيت، قال العم بإستغراب للأب: ما بك! الباب يصدر هذا الصوت منذ سنوات بسبب قدمه! ما الذي اغضبك كل هذا الغضب؟…. حرك رأسه يمينا ويسارا ببطء ثم قال: لا اعلم يا أخي! ربما اردت ان اسمع صوته لاخر لحظة! ولكنه لم يرد علي بشيء، حال الدنيا ان يهجرنا الابناء عند الكبر…”
**اثناء الطريق الطويل دارت احاديث وقصص بين عبد الغفور وسائق التاكسي الذي يتحدث باللهجة المحلية….
” واستوقف سيارة اجرة، ركب في المقعد الأمامي وقال كلمتين للسائق” الى توتي ” رد السائق بعفوية وهو ينظف اسنانه بعود قشي صغير: ” توتي عديل كدا يا زول! ” التفت عليه عبد الغفور وهو يتنفس بسرعة بسبب اجهاد السير الطويل، وبنظرات غاضبة وصوت غليظ قال له: أتظن اني امازحك؟ أهذا وقتا للمزاح؟! اخبرتك اني ذاهب الى جزيرة توتي، ما الغريب في الأمر؟!! رمى السائق العود الذي ينظف اسنانه به ثم أصدر ذاك الصوت الذي يصدره كبار السن لإخراج الطعام من بين اضراسهم، ثم قال بصوت خفيف: ” سبحان الخالق! شباب اخر زمن” وضغط على محرك السيارة وبدأ السير،… مرت ثلاثون دقيقة.. بدأ السائق بالكلام من جديد….
– ” انت من وين يا زول؟” رفع عبد الغفور رأسه المتكي على يده اليمنى ونظر اليه بنظرة اشمئزاز ثم قال: وما دخلك انت؟ لما تسألني؟ ماذا تريد مني؟ باستغراب ويداه على المقود ينظر الى الشاب نظرة سريعة ومرة ينظر الى الطريق أمامه قال بصوته الخفيق: “سبحان الخالق! ما عندك اخلاق كلو كلو”
– اترك الاخلاق لامثالك وتابع السير بصمت لو سمحت، فلست في مزاج يسمح لي بالحديث، ساد السيارة صمت من جديد، مرت خمس دقائق… السائق مجددا”….
**عند وصوله الى جزيرة توتي عاش حياة متقلبة ما بين سعادة وحزن وحب وكره…
” وهو يسير على بعد امتار قليلة، رأى فتاة سمراء تلبس الزي السوداني الشعبي “التوب” في حقل متوسط المساحة، توجه نحوها مسرعا، سألها متعجبا: ماذا تفعلين في هذا الوقت الباكر؟ حتى ان الشمس لم تشرق بعد! تبسمت بأسنانها البيضاء المستوية وقالت له: انا اساعد والدي في التفريق بين البلح الجيد وغير الجيد، لأسهل عليه عملية ملء الاكياس، فوالدي يعمل في تجارة البلح منذ سنوات طويلة، في ” توتي” هذه حياتنا، نستيقظ مع طيور الصباح وننام معها، تبسم وقال لها: هذا جيد، هل هذا الحقل ملك لوالدك؟
– نعم، لم ارك هنا من قبل! قل لي الى اين انت ذاهب بهذا الوقت الباكر!
– ذاهب الى مكان بعيد وقررت عدم العودة الى هنا مجددا، لكن الان لدي سبب لأعود اليه، تبسمت وقالت: اذا تعال واشرب كوبا من الشاي قبل ان تذهب، التعب باد عليك،
– حسنا، سأشرب كوبا من الشاي واغادر، شكرا لك يا غزال الوادي، تبسمت بخجل وباشرت باعداد الشاي، اثناء شرابه جاء السائق يمشي وهو يغني بصوت عالي ” عجبوني اولاد الاهالي، عجبوني وسروا بالي، عجبوني الليلة جو، ترسو البحر صددوا، عجبوني…” لحظة رؤيته للشاب وهو جالس مع ابنته هرول مسرعا نحوهما، نظر الى عبد الغفور باستغراب ثم قال له: ” انت يا زول! خليت كل الشيوخ القاعدين هناك ديل ورفضت تشرب شاي معانا، قاعد تشرب شاي مع بتي زينب هنا، لا وبتضحك كمان! دي قصة دي” ضحك عبد الغفور بصوت عالي حتى وقع ارضا من جلسته، قال للفتاة بصوت يقطعه الضحك: لا تخبريني بأن هذا هو والدك! رمت الفتاة عليه بعض حبات البلح وقالت تمازحه: وما به! نعم هو ابي، اكثر شخصا احبه في هذه الحياة، اخذ بعض البلح يأكله، رمى عبد الغفور بفصوصه المأكولة وقال: “شفت كيف بكون الكلام باحترام، خلي بتي تعلمك تتكلم كيف” ما زال عبد الغفور يضحك، اخيرا توقف عن الضحك ونظر الى الفتاة التي ما زالت تتبسم، ثم نهض بعد ان اكمل شرب الشاي”….
** وفي خضم الرواية تطورت الاحداث حيث اضطر عبد الغفور لقتل خاله بسبب قصة حدثت فب الماضي بين العائلتين وهو السبب الذي رحل من اجله عبد الغفور، حيث كان اخر ما تذوقه المقتول هو نهاية القهوة في آخر الفنجان..
” لقد أكتفيت تماما من شرب القهوة، شكرا جزيلا يا “حامد” قل وداعا للقمر ، ونهض مسرعا كالبرق وقف خلف السائق وبحبل متين خنق به عنق السائق بقوة يزيدها الشيطان قوة، اثناء خنقه كان يطحن اضراسه باضراسه ويقول بصوت مبحوح، صوت يملأه حقد وكراهية وكله انتقام: انت قتلت أمي، انت ايها الضابط اللعين، انا اعرف كل شيء ايها الكاذب الحقير، اعرف اسمك الضابط عبد المنعم القاتل المجرم، لن اسامح كائن من كان ان يتجرأ على أمي ولو بلفظ لعين، فكيف وقاتل امي امامي، مت، مت الان واجعل قلبي يرتاح، تبا لك، اااااااااااااااااااا، كان يحاول السائق عبثا التخلص منه، بعد مدة تركه، فقد كان جثة تحته، كان عبد الغفور يتنفس بصعوبة وبقوة وكأنه كان يغوص البحر الأسود لأيام، من شدة هلعه كان يحاول اخماد الفحم الملتهب بيده، حتى احترقت كلتا يداه وهو لا يشعر، اخذ التراب بيداه اللتان يملأهما صديد تقرح النار وبدأ يدفن به النار، ثم سحب جثة الرجل الى داخل الصحراء وابعده عن مدى نظر الناس في الشارع، وهو يهمس شكرا لك يا ظلام الليل، انت شريكي وانا لست قاتلا، انا انتقمت لأمي، ثم هرول مبتعدا بإتجاه العودة الى ” جزيرة توتي” وبعد اكثر من ساعتين بين زحف وتعثر واستلقاء على الرمل، اخيرا وقف على قارعة الطريق واشار لاحدى السيارات بأن تتوقف، حاول ان يتظاهر بأنه بخير، ولكن حالته كانت يرثى عليها، توقف احد السائقين وركب معه، قاد سائق السيارة بسرعة عائدا الى ” توتي” ، وعند وصوله بعد نصف ساعة تقريبا، اخذه الى اقرب مشفى وغادر، وهكذا تم علاجه من الجروح واعطائه بعض المهدئات الطبية التي جعلته يتحسن قليلا، وفي صباح اليوم التالي خرج عبد الغفور من المستشفى”….
** ثم دارت احداث كثيرة وتزوج عبد الغفور ابنة الذي قتله بيده…
” وها نحن اخيرا في بيتنا يا اجمل زينب، اقتربت زينب منه وهي تتبسم، قالت بصوت هادئ:
– لا تعلم كم انا سعيدة يا عبد الغفور !
اقترب عبد الغفور منها اكثر واحتضنها بقوة، بادلته زينب الاحضان، وبدأت تتمايل وترقص بحضنه، وهما يرقصان ببطء مع نسمات الهواء الدافئة، تبادلا القبلات والحب، ثم دخلا غرفة النوم الخاصة بهما، انقض عبد الغفور عليها كأسد يقبض غزالة، همس لها، هذه هي اللحظة، واشتعلت اجواء حميمية بينهما طوال الليل، في اجواء كلها رومانسية، هكذا قضيا ليلتهما بحب وعشق”….
**وليتفاجأ الجميع في نهاية الاحداث بموت عبد الغفور…
” تمت مراسم الدفن حيث كان سعيد هو الذي دفن القبر لوحده رافضا ان يساعده احد في ذلك، بعد هذا بدأ الناس يغادرون شيئا فشيئا، جلس زكريا وحوله بعض الرجال بقرب القبر ولم يغادروا، وكذلك عاصم وسعيد، لا احد يتحدث مع احد، فقط الجميع ينظرون الى تراب المقابر ذو اللون البرتقالي المحمر قليلا بفعل الأنوار المخصصة لإضاء المقابر ذات اللون البرتقالي، والغبار يتطاير قليلا بفعل الهواء الدافئ، بعد ساعة من هذا الصمت الحزين، نظر زكريا الى عاصم وقال له بصوت خفيف يغلبه الحزن في نبرته: ما هذا الذي تحمله بيدك؟ أهو كفن اخر أم ماذا؟ من الذي مات ايضا؟! كأن عاصم فاق من سكرة وقال له بصوت حزين: لما تقول هذا يا ” أبو عمة” هذا عمامتك سقطت منك عندما ركضت نحو سيارة الاسعاف، اخذتها واحتفظت بها لاعطيك اياها، ولكني نسيت انها بيدي اصلا، خذها، تبسم زكريا بشفتيه والدموع تتعثر على تجاعيد وجهه، قال له: لا اريدها، خذها أو ادفنها بقرب ابني، فما عدت ارغب بشيء على هذه الحياة”…
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون