مسابقة القصة

ملخص رواية : النّحات .. مسابقة الرواية .بقلم / فلسطين أبو زهو ..فلسطين

الاسم: فلسطين حسن محمود ابو زهو

الجنسية: فلسطين

رابط الفيس: https://www.facebook.com/share/1ArvEGrESf/

مسابقة همسة فرع الرواية بعنوان: النّحات

تَتَحَدَّثُ الرِّوَايَةُ عَنْ سَجِينَيْنِ مُتَّهَمَيْنِ بِجَرَائِمِ قَتْلٍ، اعْتَرَفَا بِهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمُحَقِّقَ وَجَدَ فِي الْمُجْرِمَيْنِ اسْتِسْلَاماً غَيْرَ طَبِيعِيٍّ، وَشَعَرَ أَنَّهُمَا بَرِيئَانِ، إِضَافَةً إِلَى أَنَّ الْجَرَائِمَ تَتَكَرَّرُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، لِذَلِكَ قَرَّرَ تَنْفِيذَ حُكْمِ الْإِعدَامِ كَشَكْلٍ اسْتِعْرَاضِيٍّ وَكَأَنَّهَا مَسْرَحِيَّةٌ؛ أَصْدَرَ قَرَاراً مُزَوَّراً مِنَ الْمَحْكَمَةِ يَقْضِي بِتَنْفِيذِ حُكْمِ الْإِعْدَامِ، وَذَلِكَ لِكَيْ تَتَّضِحَ لِلْمُحَقِّقِ مُلَابَسَاتُ الْقَضِيَّةِ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ.

اجْتَمَعَ حَوْلَ مَنَصَّةِ الْإِعْدَامِ نَحْوُ ثَلَاثِينَ شَخْصاً: الْأُسْقُفُ وَرَجُلُ الدِّينِ، إِضَافَةً إِلَى رِجَالِ الشُّرْطَةِ وَالْمُحَقِّقِينَ وَبَعْضِ الْحُضُورِ الْمُقَرَّبِينَ لِلْجُنَاةِ. وَعِنْدَ اسْتِعْرَاضِ الْوَصِيَّةِ وَأَقْوَالِ الشَّيْخِ وَالْقَسِّيسِ، اتَّضَحَ أَنَّ الْمُتَّهَمَيْنِ إِخْوَةٌ دُونَ أَنْ يَعْلَمَا بِذَلِكَ، إِضَافَةً إِلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدِ اتَّضَحَتْ بَرَاءَتُهُ بِشَكْلٍ جَلِيٍّ. لِذَلِكَ قَرَّرَ الْمُحَقِّقُ فَضْحَ الْغَرَضِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْرَحِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّهُ أَمَرَ الشُّرْطَةَ بِمَنْعِ خُرُوجِ الضُّيُوفِ مِنَ الْقَاعَةِ، ثُمَّ تَحَدَّثَ لِأَحَدِ الْمُجْرِمَيْنِ قَائِلاً:

    “هُنَاكَ أُمُورٌ حَدَثَتْ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ وَفِي بَعْضِ بُيُوتِ النُّبَلَاءِ وَفِي قَاعَةِ الْفَرَحِ الْأَخِيرَةِ؛ فَمِنْ تِمْثَالٍ صَغِيرٍ مَسَحَهُ الْبَابَا بَوْلُسُ، أَدَّتْ إِلَى تَسَرُّبِ سُمٍّ مِنَ النُّحَاسِ إِلَى مَسَامَاتِ جِلْدِهِ، وَرَجُلٌ آخَرُ سَرَقَ خَزْنَةَ أَحَدِ الْأَثْرِيَاءِ فَعَمَدَ صَاحِبُ الْقَصْرِ إِلَى حَرْقِ صِغَارِهِ الثَّلَاثَةِ دَاخِلَ الْمِدْفَأَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِنَفْسِهِ هُوَ الْآخَرُ إِلَيْهَا. وَكَذَلِكَ الْعُرْسُ حَيْثُ تَحَوَّلَ إِلَى كَارِثَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ؛ كُلُّ مَنْ فِي الْقَاعَةِ إِمَّا قُتِلَ أَوْ احْتَرَقَ بِمُجَرَّدِ أَنْ قَطَعَتِ السِّكِّينُ الطَّوِيلَةُ قَالَبَ الْحَلْوَى الصَّغِيرَ، الَّذِي يَعْلُو مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَوَالِبِ عَلَى هَيْئَةِ شَجَرَةِ الْمِيلَادِ، حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا سَائِلٌ أَبْيَضُ انْدَفَعَ نَحْوَ الشُّمُوعِ الْمَغْرُوزَةِ فِي بَقِيَّةِ الْقَوَالِبِ، فَهَبَّتِ النَّارُ وَاشْتَعَلَتْ كَجَهَنَّمَ الصُّغْرَى تَحْرِقُ مَنْ حَوْلَهَا. وَعِنْدَ تَنَبُّهِ جِهَازِ إِطْفَاءِ النَّارِ الْمُثَبَّتِ بِالسَّقْفِ عَلَى شَكْلِ مِرَشٍّ، بِفَعْلِ الْحَرَارَةِ الزَّائِدَةِ، أَخَذَ يَدْفَعُ الْمَاءَ الَّذِي بَدَلًا مِنْ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى إِطْفَائِهَا سَاعَدَ عَلَى نَشْرِهَا وَزِيَادَتِهَا، حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَاءً بَلْ كَانَ كِيرُوسِين. كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مُدَبَّراً بِمَا فِي ذَلِكَ أَبْوَابُ الطَّوَارِئِ الْمُقْفَلَةُ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، جَمِيعُ مَنْ كَانَ فِي الْفَرَحِ اصْطَادَتْهُمُ النَّارُ وَكَأَنَّهُمْ فِي فُرْنٍ تَزِيدُ حَرَارَتُهُ مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ.”

لَاحَظَ الْمُحَقِّقُ مِنْ بَعْضِ الصُّوَرِ الَّتِي الْتَقَطَتْهَا شَاشَاتُ الْكَامِيرَا أَنَّ صُورَةَ “النَّحَّاتِ” فِي جَرِيمَةِ التَّوَابِيتِ هِيَ ذَاتُهَا مَلَامِحُهُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي كَامِيرَا الْعُرْسِ قَبْلَ انْدِلَاعِ الْحَرِيقِ بِدَقَائِقَ، وَهُوَ ذَاتُهُ النَّحَّاتُ الَّذِي صَنَعَ تِمْثَالَ الْمَسِيحِ مِنَ النُّحَاسِ السَّامِّ، وَهُوَ مَنْ كَانَ يُزَيِّنُ بُيُوتَ النُّبَلَاءِ فَيَخْلِطُ بَيْنَ السِّحْرِ وَالْفَنِّ بِطَرِيقَةٍ أَعْجَبَ مِنَ الْخَيَالِ.

أَخَذَ الْمُحَقِّقُ يَسْعَى لِإِجْرَاءِ اعْتِقَالِ النَّحَّاتِ، وَقَبْلَ أَنْ يُبْرِزَ رَجُلُ الْأَمْنِ مُذَكَّرَةَ الِاعْتِقَالِ مِنْ جَيْبِهِ، كَانَ الْجَمِيعُ قَدْ أَخَذُوا يَتَسَاقَطُونَ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ شُعُورٍ عَظِيمٍ بِالْغُثْيَانِ، كُلُّهُمْ مَطْرُوحُونَ عَلَى الْأَرْضِ بِاسْتِثْنَاءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ يُغَطِّي رَأْسَهُ بِبِطَانِيَّةٍ مِنَ الْأَخْضَرِ الْمُغْمَقِّ، وَقَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا وَفِي عَيْنَيْهِ ابْتِسَامَةُ مَكْرٍ.

تَعُودُ الْأَحْدَاثُ إِلَى الْخَلْفِ وَيَبْدَأُ كُلُّ وَاحِدٍ بِسَرْدِ جَرِيمَتِهِ، وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا، إِضَافَةً إِلَى الظُّرُوفِ الَّتِي دَفَعَتْ كُلًّا مِنْهُمَا لِلاِعْتِرَافِ بِجَرَائِمَ لَمْ يَقْتَرِفُوهَا.

تَبْدَأُ رِوَايَةُ النَّحَّاتِ:

صَعَدَ الْمُجْرِمَانِ مَنَصَّةَ الْإِعْدَامِ، وَقَفَا أَمَامَ الضُّيُوفِ، وَأَمَامَ كُلِّ وَاحِدٍ لَوْحٌ مَعْدَنِيٌّ رَفِيعٌ وَحَادٌّ كَحَوَافِّ السَّيْفِ، وَعَلَى عُلُوِّ مِتْرَيْنِ مِنْ كُلِّ لَوْحٍ تَتَدَلَّى مِقْصَلَةٌ حَدِيدٌ مَرْبُوطٌ بِهَا حَبْلٌ يَمُرُّ مِنْ خَلَالِ بَكَرَةٍ نُحَاسِيَّةٍ، يَشُدُّ الْمِقْصَلَةَ إِلَى الْأَعْلَى، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ مِنْ كُلِّ حَبْلٍ مَعْقُودٌ حَوْلَ خَاصِرَةِ عَمُودٍ عَلَى جَانِبَيِ الْمِقْصَلَةِ. وَعِنْدَ مَوْعِدِ الْإِعْدَامِ، يَضْرِبُ السَّيَّافُ طَرَفَ الْحَبْلِ الْمُثَبَّتِ عِنْدَ كُلِّ عَمُودٍ، فَيَنْفَلِتُ الْحَبْلُ، وَتَسْقُطُ كُلُّ مِقْصَلَةٍ عَلَى الرَّأْسِ الْمُدَلَّى تَحْتَهَا، فَيَتَدَحْرَجُ الرَّأْسَانِ أَمَامَ أَعْيُنِ الضُّيُوفِ.

يَتَرَاوَحُ عَدَدُ الضُّيُوفِ الثَّلَاثِينَ شَخْصاً مَا بَيْنَ مُقَرَّبِينَ لِلْقَتَلَةِ وَمَا بَيْنَ أَهَالِي الضَّحَايَا، إِضَافَةً إِلَى الْحَاشِيَةِ وَالشُّهُودِ وَمُحَامِينَ وَقَاضِيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا مَسِيحِيٌّ وَالْآخَرُ مُسْلِمٌ. تَنَحْنَحَ آمِرُ السِّجْنِ الَّذِي كَانَ فِي مُقَدِّمَةِ ضُيُوفِهِ وَوَسَطَ حُرَّاسِهِ وَعَلَى بُعْدِ مِتْرَيْنِ مِنْ مَنَصَّةِ الْإِعْدَامِ… وَقَالَ بِصَوْتٍ جَهُورِيٍّ:

“لِلْجَمِيعِ… أَعْلَمُ أَنَّ حَالَةً مِنَ الِارْتِبَاكِ وَالْقَلَقِ تَكْتَسِحُ وُجُوهَكُمْ، لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِشَفَقَةٍ مَكَانٌ فِي قُلُوبِكُمْ، تَذَكَّرُوا أَنَّ مُهِمَّتَنَا تَسْتَدْعِي الْقِصَاصَ وَالْعِقَابَ لِدَرْءِ تَكْرَارِ مِثْلِ هَكَذَا جَرَائِمَ، فِي حَقِّ أَبْنَائِنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا، وَلِحِمَايَةِ أَمْنِنَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَأَشْبَاهِ الْبَشَرِ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّنِي أُعْلِنُ، بَعْدَ أَنْ أَفْرُغَ مِنْ حَدِيثِي، نَهَبُ خَمْسَ دَقَائِقَ لِلْقَاضِي الشَّيْخِ وَلِلْأُسْقُفِ، لِمَنْحِ الْمُجْرِمَيْنِ فُرْصَةَ إِعْلَانِ التَّوْبَةِ الْخَالِصَةِ مِنْ نَارِ الْجَحِيمِ الْأَبَدِيِّ، وَمِنْ ثَمَّ أُعْطِي إِشَارَةَ التَّنْفِيذِ، وَيُطَبَّقُ حُكْمُ الْإِعْدَامِ كَمَا هُوَ مَعْهُودٌ، نُدَوِّنُ لَحْظَةَ الْوَفَاةِ، تُنْقَلُ الْجُثَّتَانِ إِلَى مَقْبَرَةِ السِّجْنِ الْوَاقِعَةِ خَلْفَ الْقَلْعَةِ، وَنَفُضُّ اللِّقَاءَ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ. وَلْيَكُنْ فِي مَعْلُومِ الْجَمِيعِ، سَأُطَبِّقُ حُكْمَ الْجَلْدِ التَّعْزِيرِيِّ فِي كُلِّ مَنْ يَفْتَحُ فَمَهُ بِالصُّرَاخِ أَوِ الِاسْتِنْكَارِ أَوْ حَتَّى التَّأْيِيدِ، مَمْنُوعٌ إِبْدَاءُ الْآرَاءِ أَوِ التَّبَجُّحُ فِي الْكَلَامِ، مَمْنُوعٌ رَمْيُ الشَّتَائِمِ أَوِ التَّلَفُّظُ بِأَلْفَاظٍ عُنْصُرِيَّةٍ أَوْ دَمَوِيَّةٍ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ!”

كَانَ الْمُجْرِمَانِ يَسْتَمِعَانِ لِلْكَلَامِ التَّافِهِ بِوُجُوهٍ مُشْبَعَةٍ بِالْيَقِينِ، لَمْ يَكُونَا خَائِفَيْنِ أَوْ مُرْتَبِكَيْنِ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ كَانَا وَاثِقَيْنِ مِنَ الْمَوْتِ، غَيْرَ مُبَالِيَيْنِ بِقَطْعِ عُنُقَيْهِمَا. الشُّعُورُ بِالدَّوَارِ وَالْوَخْزِ فِي خَلَجَاتِ الصَّدْرِ، وَالْخَدَرُ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، سَبَقَ أَنْ تَخَطَّيَاهُ فِي فَتَرَاتِ الْعُزْلَةِ. لَمْ يَشْعُرَا بِشَيْءٍ غَيْرِ الْعُلُوِّ، وَبِرُوحٍ خَفِيفَةٍ تَطِيرُ فِي مَكَانِهَا كَالْفَرَاشِ عَلَى صَفْحَةِ الْوَرْدِ. فِي السَّابِقِ كَانَا كَالْفِئْرَانِ فِي حَقْلِ التَّجَارِبِ، يُطَوِّعُهُمَا الْقَهْرُ وَالذُّلُّ وَالضَّعْفُ، يُحْقَنَانِ بِشَيْءٍ يَجْهَلَانِهِ، يَهْرَبَانِ مِنَ الْمَجْهُولِ نَحْوَ الْمَجْهُولِ، أَمَّا الْآنَ فَهُمَا كَحِصَانَيْنِ يَتَسَابَقَانِ عَلَى الْقِمَمِ، يَتَنَافَسَانِ عَلَى قَتْلِ الْخَوْفِ وَالْجُبْنِ وَالْيَأْسِ!

كَانَ مَازِنٌ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى يَرْفَعُ مِشْطَ قَدَمَيْهِ قَلِيلًا لِلْأَعْلَى، مَعَ رَفْعِ جِذْعِهِ وَعُنُقِهِ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَعْجِلُ لَحَظَاتِ مَوْتِهِ… وَكَأَنَّهُ يَوَدُّ النِّهَايَةَ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ مُمْكِنَةٍ. وَفِي لَحْظَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ، لَمَحَ بَيْنَ الْجَمْعِ شَيْئاً سَرَّعَ لَدَيْهِ لَحْظَةَ النَّبْضِ، رَمَى نَظَرَهُ نَحْوَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ سَهْماً، وَأَخَذَ يَتَرَصَّدُ بِحَزْمٍ هَدَفَ السَّهْمِ؛ ظَهَرَ لَدَيْهِ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ رَأْسُ بُرْنُسٍ أَبْيَضَ، يُغَطِّي رَأْسَ فَتَاةٍ يَتَطَايَرُ شَعْرُهَا مِنْ تَحْتِ جَنَبَاتِهِ. انْتَابَهُ شَعُورٌ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ هِيَ… غَيْرَ أَنَّ سَهْمَهُ أَوْقَفَهُ فِي الْهَوَاءِ مُنْتَظِراً اللَّحْظَةَ الَّتِي يَتَبَيَّنُ فِيهَا مَنْ تَكُونُ؟

أَطَلَّتْ أَخِيراً مِنْ بَيْنِ الْجُمُوعِ، وَهِيَ تَرْتَدِي ذَاتَ الْمِعْطَفِ الْأَبْيَضِ الَّذِي كَانَ قَدْ أَلْبَسَهُ لِلْمَانِيكَانِ خَاصَّتِهِ، شَعَرَ بِشَعُورٍ غَرِيبٍ، وَكَأَنَّهُ تَمَنَّى اسْتِعَادَتَهَا… ثُمَّ تَلَاشَى ذَلِكَ التَّمَنِّي بِعُيُونِهِ الَّتِي حَاوَلَ جَاهِداً أَنْ يَصْرِفَ عَنْهَا الدُّمُوعَ، وَقَبْلَ أَنْ يُطِيحَ بِنَظَرِهِ لِلْأَسْفَلِ صَارِفاً النَّظَرَ عَنْهَا، اعْتَرَاهُ إِحْسَاسٌ بِالْأَلَمِ الْجَمِيلِ، كَوْنَهُ أَرَادَ لَهَا أَنْ تُمَتِّعَ نَظَرَهَا بِرَأْسِهِ الَّذِي سَيَتَدَحْرَجُ بَعْدَ قَلِيلٍ نَحْوَ الْحَافَةِ الثَّانِيَةِ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَكَأَنَّ طَعْمَ الْأَلَمِ كَسِكِّينٍ تَغْرِزُهُ بِكُلِّ حَمِيَّتِكَ نَحْوَ قَلْبِكَ، ثُمَّ تَأْخُذُ بِبَقَايَاكَ الْحَيَّةِ تُحَرِّكُ السِّكِّينَ نِصْفَ دَائِرَةٍ، لِتَتَعَذَّبَ أَكْثَرَ فَلَا تَتَمَنَّى شَيْئاً غَيْرَ الْخَلَاصِ. كَانَتْ لَا تَزَالُ جَمِيلَةً عَلَى حَالِهَا، وَكَأَنَّ وَجْهَهَا مِنَ الْبِلَّوْرِ فِيهِ بَرِيقٌ مَلَائِكِيٌّ عَذْبٌ… تَضَعُ حُمْرَةً خَمْرِيَّةً عَلَى فَمِهَا الْمُنْتَفِخِ، بِسَبَبِ تِلْكَ الْغُرْزَةِ الْقَدِيمَةِ، الَّتِي كَانَ قَدْ أَحْدَثَهَا فِي فَمِهَا. مَا أَقْسَى الْأَقْدَارَ قُلْتُ فِي نَفْسِي، كَانَ وَاضِحاً عَلَى وَجْهِهَا الشُّعُورُ بِالْخَيْبَةِ وَالنَّدَمِ… شَعُورٌ يَغْلِبُهُ شَعُورُ الذَّنْبِ وَالْإِشْفَاقِ.

اتَّجَهَ نَظَرُ آمِرِ السِّجْنِ نَحْوَ الْأُسْقُفِ، وَهَزَّ لَهُ بِرَأْسِهِ، مُشِيراً إِلَيْهِ بِالْبَدْءِ. كَانَ الْأُسْقُفُ مُرْتَاباً وَمُثِيراً لِشَفَقَةِ، فَخُدُودُهُ الْحَمْرَاءُ وَأَنْفُهُ الْمُتَوَهِّجُ، وَعُيُونُهُ الدَّامِعَةُ، يُخْبِرَانِكَ بِكَمِّ الْأَلَمِ الَّذِي لَحِقَ بِهِ مِنْ قَرَارِ الْمَحْكَمَةِ فِي تَنْفِيذِ حُكْمِ الْإِعْدَامِ. أَخَذَتْ عُيُونُ الْأُسْقُفِ تَتَرَنَّحُ مَرَّةً يَمِيناً جِهَةَ الْمُجْرِمِ الْأَوَّلِ، وَمَرَّةً يَسَاراً جِهَةَ الْمُجْرِمِ الثَّانِي، وَقَالَ بِصَوْتٍ خَاشِعٍ لِلْمَوْتِ: “بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ… لَا زِلْتُ أُؤْمِنُ بِكُمَا، فِي عُيُونِكُمَا قَبَسٌ مِنْ نُورِ الْأَبَدِيَّةِ، لَدَيَّ رَغْبَةٌ فِي فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ رَفْعُ السَّوَادِ الدَّامِسِ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّنِي تُهْتُ فِي اسْتِدْلَالِ الصَّوَابِ”.

يُصَوِّبُ آمِرُ السِّجْنِ نَظْرَةً حَادَّةً نَحْوَ الْأُسْقُفِ، وَالَّتِي تَعْنِي تَخَطِّيَ وَتَجَنُّبَ طَرْحِ هَذِهِ الْأَفْكَارِ وَالدُّخُولَ فِي الْمَضْمُونِ. يُتَابِعُ الْأُسْقُفُ حَدِيثَهُ: “الْمِيلَادُ بِدَايَةُ الْمَشَقَّةِ، وَالْمَوْتُ نِهَايَةُ الْأَلَمِ” ثُمَّ تَسْتَقِرُّ عَيْنَاهُ جِهَةَ الْيَسَارِ مِنَ الْمَنَصَّةِ، صَوْبَ طِفْلٍ صَغِيرٍ يَتَكَوَّرُ فَوْقَ أَرْضِيَّتِهَا، يَتَأَمَّلُهُ جَيِّداً، تَتَعَبَّأُ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، ثُمَّ تَتَلَاشَى الصُّورَةُ الَّتِي اسْتَعَارَهَا مِنْ أَرْشِيفِ الذَّاكِرَةِ، وَحَلَّ مَكَانَهَا شَابٌّ وَسِيمٌ بِذَقْنٍ أَسْوَدَ، يَرْتَدِي بَدْلَةً حَمْرَاءَ، حَادُّ النَّظَرَاتِ، يَبْتَلِعُ ابْتِسَامَةً يَظْهَرُ أَثَرُهَا مِنْ غَمَّازِ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ، مُؤْمِنٌ بِنَفْسِهِ، وَيُدْرِكُ تَمَاماً أَيْنَ الْمَآلُ! شَدَّ الْأُسْقُفُ عُنُقَهُ إِلَى الْأَعْلَى، وَأَطْبَقَ جُفُونَهُ تَلَافِياً لِإِسْقَاطِ دَمْعَتَيْنِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُعْتَدِلٍ وَمَوْزُونٍ وَهُوَ يُحَدِّقُ بِالشَّابِّ:

“كُنْتُ أَتَصَدَّقُ عَلَى الْقِطَاطِ بِأَرْجُلِ الدَّجَاجِ الْمَيِّتَةِ تَحْتَ ضَوْءِ قِنْدِيلٍ يَتَرَنَّحُ فِي قَبْضَةِ يَدِي، كُنْتُ أَقِفُ بِالْقُرْبِ مِن حَاوِيَةِ الْقُمَامَةِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْكَنِيسَةِ… كَانَ لَيْلًا بَارِداً وَغَرِيباً وَمُوحِشاً… كَانَ لَيْلًا قَدَرِيّاً بِالنسبةِ لِي، حِينَ أَخَذَتْ أَحَدُ أَكْيَاسِ الْقُمَامَةِ السَّوْدَاءِ تَنْكَمِشُ قَلِيلًا ثُمَّ بَعْدَهَا تَنْفَرِجُ، يَدَايَ تَرْتَجِفَانِ… تَرَنَّحَ الْقِنْدِيلُ، وَثَقُلَتْ سَاقَايَ، اقْتَرَبْتُ وَصَوْتُ أَنْفَاسٍ مُخْتَنِقَةٍ تَخْرُجُ بِالتَّوَازِي مَعَ بُكَاءِ طِفْلٍ صَغِيرٍ… اقْتَرَبْتُ وَكُلِّي خَوْفٌ مِمَّا سَيَكُونُ… ثَقَبْتُ الْكِيسَ بِإِصْبَعِي الْمُرَصَّعِ بِالصَّلِيبِ… ثُمَّ مَزَّقْتُهُ حَتَّى نِهَايَتِهِ، أَزَحْتُ الْبَلَاسْتِيكَ وَقَرَّبْتُ الْقِنْدِيلَ أَكْثَرَ عَلَى وَجْهٍ ضَئِيلٍ، عَلَى لَحْمٍ صَغِيرٍ لَا زَالَ نِيئاً… أَخْرَجْتُكَ وَقَلْبِي يَجْهَشُ بِالْبُكَاءِ عَلَيْكَ، قَرَّبْتُكَ مِنْ صَدْرِي، وَكُلِّي كَرَاهِيَةٌ وَغِبْطَةٌ لِلَّذِينَ يُكَفِّرُونَ عَنْ خَطِيئَةٍ بِخَطِيئَةٍ، وَبَدَلًا مِنْ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ الَّتِي أَقْدَمَتْ عَلَيْهَا نُحَاكِمُ الضَّحِيَّةَ.”

الْجَمِيعُ يَنْصُتُونَ لِحَدِيثِ الْأُسْقُفِ، وَقَدْ بَدَتْ عَلَى سِيمَاهُمُ التَّأَثُّرُ وَالِانْدِهَاشُ. كَانَ مَازِنٌ مُتَأَثِّراً أَيْضاً بِحِكَايَةِ زَمِيلِهِ، فَكَانَ رَأْسُهُ مَرْفُوعاً وَعَيْنَاهُ تَتَأَمَّلُ الْأُسْقُفَ حِيناً، وَفِي أَحْيَانٍ أُخْرَى يَتَفَقَّدُ بُطْءَ الْغَيْمِ… يَتَنَشَّقُ هَوَاءً بَارِداً… يُعَبِّئُ صَدْرَهُ بِالْحَنِينِ، وَمِنْ ثَمَّ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ عَلَى السَّمَاءِ. لَمْ يَكُنْ مُهْتَمّاً بِمُتَابَعَةِ الْحُضُورِ أَوْ تَفَقُّدِ خَلْقِهِمْ، بَلْ كَانَ يُفَكِّرُ فِي حِكَايَةِ زَمِيلِهِ وَنَشْأَتِهَا وَإِلَى الْحَالِ الَّتِي آلَتْ إِلَيْهَا الْأُمُورُ؛ بَدَأَ بِقُمَامَةٍ وَسَيَنْتَهِي بِرَأْسٍ مَقْطُوعٍ!.

يُتَابِعُ الْأُسْقُفُ: “كُنْتَ تَرْتَدِي بِيـجَامَةً بَيْضَاءَ مُنَقَّطَةً بِنُقَاطٍ حَمْرَاءَ، ظَنَنْتُكَ فِي الْبِدَايَةِ أُنْثَى، أَخَذْتَ تَلْعَقُ رُؤُوسَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. أَسْرَعْتُ الْخُطَى تَارِكاً الْقِنْدِيلَ يَتَرَنَّحُ ضَوْءُهُ خَلْفِي بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالْخَفْتَانِ، خِفْتُ أَنْ تُصَابَ بِالْبَرْدِ فَثِيَابُكَ كَانَتْ مُبْتَلَّةً رَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تُمْطِرْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. أَسْرَعْتُ بِكَ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ أَتَّجِهُ… إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ، كُنْتُ مُرْتَبِكاً وَخَائِفاً يَعْتَرِينِي شَعُورُ الْعَجْزِ وَالضَّيَاعِ، خِفْتُ أَنْ تَمُوتَ… الدَّقَائِقُ فِي مِثْلِ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ حَاسِمَةٌ جِدّاً، وَحَيَاتُكَ عَلَى حَدِّ الثَّانِيَةِ كَانَتْ تَقِفُ! إِلَى أَنْ أَلْهَمَنِي اللَّهُ وَرَمَى لِي بِطَوْقِ النَّجَاةِ… وَعَرَفْتُ مَعَ مَنْ سَتَكُونُ؛ اتَّجَهْتُ بِكَ مُبَاشَرَةً صَوْبَ حَيِّ النَّقَّارِ، شَارِعٌ يَلُفُّ الْكَنِيسَةَ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ… بَعْدَ ثَلَاثَةِ مَدَاخِلَ يَقَعُ بَيْتُهَا، السَّيِّدَةُ تُدْعَى بِــ “أُمِّ حَبِيبٍ” تَهْتَمُّ لِأَمْرِ الْأَيْتَامِ مِنْ شِدَّةِ عِشْقِهَا لِلصِّغَارِ! طَرَقْتُ الْبَابَ طَرْقَةَ مَلْهُوفٍ يَأْمُلُ الْخَلَاصَ، لَحَظَاتٌ وَفُتِحَ الْبَابُ، لَمْ أُسَلِّمْ… لَمْ أَسْتَأْذِنْ… وَلَمْ أَدْخُلْ فِي مُقَدِّمَاتٍ، فَقَطْ قُلْتُ لَهَا: خُذِي الصَّغِيرَةَ عَلَى الْفَوْرِ وَأَرْضِعِيهَا عَلَّهَا تَنْجُو، أَبْدِلِي ثِيَابَهَا الْمُبْتَلَّةَ وَأَكْثِرِي مِنَ الْأَغْطِيَةِ لِتَنْعَمَ بِالدِّفْءِ، سَأُحْضِرُ لَكِ بَعْضَ الطَّعَامِ وَالْمَالِ وَأَعُودُ عَلَى الْفَوْرِ.”

فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ كَانَ مَازِنٌ يُحَدِّقُ بِزَمِيلِهِ بِنَظَرَاتٍ غَرِيبَةٍ وَيَسْتَحْضِرُ صُوَراً قَدِيمَةً شِبْهَ صَفْرَاءَ، تَعُودُ بِهِ إِلَى الْوَرَاءِ… الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ الْمُرَقَّطُ ثَوْبٌ تَأْلَفُهُ ذَاكِرَتُهُ، فَالْخَالَةُ سَنَاءُ كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّ بَطْنَهَا يَحْمِلُ أُنْثَى، فَكَانَ جِهَازُ مَوْلُودِهَا يَتَرَاوَحُ بَيْنَ اللَّوْنِ الزَّهْرِيِّ وَالْأَحْمَرِ أَوِ الْأَبْيَضِ تَمَاماً. كُلُّ شَيْءٍ بَاتَ مَفْهُوماً بِالنسبةِ إِلَيْهِ… رَضِيعٌ مُبْتَلٌّ دَاخِلَ كِيسِ قُمَامَةٍ فِي يَوْمٍ لَمْ تَسْقُطْ فِيهِ أَمْطَارٌ، وَالرَّضِيعُ ذَكَرٌ يَرْتَدِي ثِيَابَ أُنْثَى! اسْتَطَاعَتْ ذَاكِرَتُهُ الْيَقِظَةُ أَنْ تُمَثِّلَ الْجَرِيمَةَ دُونَ أَنْ تَرَاهَا، فَقَدْ تَخَيَّلَ وَقْفَةَ النَّحَّاتِ وَهُوَ مُخْتَبِئٌ خَلْفَ بَابِ الْبَلَكُونِ الْخَاصِّ بِالْمَطْبَخِ، مُتَحَيِّناً الْفُرْصَةَ الْمُنَاسِبَةَ وَاللَّحْظَةَ الْهَامَّةَ لِاسْتِبْدَالِ الدُّمْيَةِ الْغَارِقَةِ فِي الْحَوْضِ، بِرَضِيعٍ سَرَقَهُ مِنْ مَهْدِهِ بَعْدَ إِرْضَاعِهِ جُرْعَةَ مُنَوِّمٍ أَوْ مَا شَابَهَ، وَبِذَلِكَ يَضْمَنُ سُكُوتَ الطِّفْلِ أَثْنَاءَ تَطْبِيقِ الْخُطَّةِ، وَيَتَمَكَّنُ فِي النِّهَايَةِ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنَ الصَّغِيرَيْنِ.

الْبَنْجُ أَوِ الْمُنَوِّمُ الَّذِي أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى قَتْلِ الطِّفْلِ، بِدُونِ حَتَّى مُجَرَّدِ هَمْسٍ، هُوَ مَنْ أَعَانَ الطِّفْلَ عَلَى الْبَقَاءِ حَيّاً، حَيْثُ أَقْنَعَهُ بِأَنَّهُ مَيِّتٌ، فَلَمْ يُحْكِمْ إِغْلَاقَ الْكِيسِ، أَوْ حَتَّى يُفَكِّرْ فِي إِغْرَاقِ الرَّضِيعِ مَرَّةً أُخْرَى دَاخِلَ الْحَوْضِ.

وَيْحِي… جَمِيعُ الْمَصَائِبِ الَّتِي حَلَّتْ بِي، جَمِيعُ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي أَلْحَقْتُهَا بِنَفْسِي، بِخِلَافِ الَّتِي أَلْحَقَهَا الْغَيْرُ بِي مِنْ هَجْرٍ وَنَفْيٍ وَخِصَاءٍ وَنُكْرَانٍ وَتَشْهِيرٍ كُلُّهَا كَانَتْ فِي حَقِّ رَضِيعٍ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَمُتْ! قَتَلُونِي مِئَةَ مَرَّةٍ، وَقَبِلْتُ الْمَوْتَ عَلَى نَفْسِي، لِأَجْلِ خُرَافَةٍ… مُؤَامَرَةٌ أُحِيكَتْ ضِدَّ كِلَانَا… أَنَا وَأَخِي! لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْمَحَ بِإِعْدَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ هُوِيَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ دِمَائِنَا الْمُشْتَرَكَةِ، قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّنِي اتُّهِمْتُ بِقَتْلِهِ فَكُنْتُ مَنْفِيّاً… وَنَالَ هُوَ الْحِرْمَانَ وَالْفَقْدَ وَالْيُتْمَ فَكَانَ نَكِرَةً. لِأَجْلِ مَاذَا؟ لِأَجْلِ دَخِيلٍ طَمِعَ بِمَا يَتَمَتَّعُ بِهِ وَالِدِي مِنْ مَنْزِلٍ وَاسِعٍ وَزَوْجَةٍ شَابَّةٍ، فَأَرَادَ حِيَازَةَ ذَلِكَ بِالِاحْتِيَالِ وَالْإِجْرَامِ!.

كَانَ مَازِنٌ شَارِدَ الذِّهْنِ فِي حِينِ كَانَ يُتَابِعُ الْأُسْقُفُ حِكَايَتَهُ: “رَبَّيْتُكَ أَعْوَاماً، حَبَوْتَ وَتَعَثَّرْتَ وَمَشَيْتَ وَطُفْتَ خِلَالَهَا صَحْنَ الْكَنِيسَةِ، ضَاحِكاً… بَاكِياً… طِفْلًا بَرِيئاً لَا يَفْقَهُ شَيْئاً. شَعَرْتُ خِلَالَهَا بِعَظِيمِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْمُلْقَاةِ عَلَى كَاهِلِي، فَهَذَا الطِّفْلُ الَّذِي كَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ تُمَزِّقَهُ الْكِلَابُ بِأَنْيَابِهَا وَتَفْتَرِسَهُ الْقِطَاطُ بِمَخَالِبِهَا، بَاتَ تَحْتَ جَنَاحَيَّ… يُرَفْرِفُ قَلِيلًا لِلْأَعْلَى ثُمَّ يَسْقُطُ مُحَاوِلًا الطَّيَرَانَ. تَضَرَّعْتُ أَمَامَ مَرْيَمَ وَبَكَيْتُ تَحْتَ نَعْلَيِ الْمَسِيحِ كَيْ يَحْفَظَكَ الرَّبُّ بِمَلَكُوتِهِ وَيُسَخِّرَ لَكَ مَنْ يَرْعَاكَ عَلَى الدَّوَامِ. كُنْتَ فِي دَاخِلِي طِفْلِي الَّذِي وَهَبَتْهُ السَّمَاءُ لِي، الْمَطَرَ النَّقِيَّ فِي عُيُونِي… اللَّهْفَةَ الَّتِي تَجْتَاحُنِي كُلَّمَا فَتَحْتَ ذِرَاعَيْكَ لِتُعَانِقَنِي، الْفِكْرَةَ الَّتِي تَبِيتُ فِي ذِهْنِي كُلَّمَا غَرَسْتُ رَأْسِي فَوْقَ الْوِسَادَةِ لِأَنَامَ.

وَقَبْلَ أَنْ أَتَّجِهَ لَيْلًا صَوْبَ صَوْمَعَتِي، كُنْتَ تَنْتَظِرُنِي قُبَيْلَ الْغُرُوبِ، عِنْدَ بَابِ السُّورِ فِي أَوَّلِ الزُّقَاقِ، لِتَنْطَلِقَ صَوْبِي وَتَحْضُنَنِي، ثُمَّ تَعُودَ نَحْوَ الْمُرَبِّيَةِ مُمْسِكاً بِيَدِهَا، لِتَقُودَكَ نَحْوَ مَنْزِلِهَا، وَتَمْضِي وَرَأْسُكَ لَا يَزَالُ إِلَى الْخَلْفِ مُتَّجِهاً صَوْبِي، وَتَبْقَى كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تَزُولَ مَلَامِحِي الْمَلْهُوفةُ إِلَيْكَ! كَبِرْتَ كَالْآخَرِينَ وَتَرَكْتَنَا لِتُحَقِّقَ ذَاتَكَ وَتَرْفَعَ مِنْ شَأْنِكَ، فَمَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنْ تَقُودَكَ الْأَقْدَارُ إِلَى هُنَا؟ جِئْتَ إِلَى هُنَا بَعْدَ أَنْ تَرَكَ لِي أَحَدُهُمْ رِسَالَةً فِي فَمِ تِمْثَالِ يَسُوعَ مَفَادُهَا مَوْعِدُ إِعْدَامِكَ، وَأَنَا الَّذِي لَطَالَمَا انْتَظَرْتُ رَسَائِلَ مِنْكُمْ كَدَعْوَةٍ لِحَفْلِ زِفَافٍ أَوْ نَجَاحِ مَشْرُوعٍ أَوْ حَفْلًا يَخُصُّ نَجَاحَ أَحَدِ أَوْلَادِي الْأَيْتَامِ… يَا لَسُوءِ خَاتِمَتِي، كَيْفَ أَنْتَظِرُ الْغَدَ وَأَنْتَ لَسْتَ مَعِي أَيُّهَا الْفَهْدُ!.”

تَأَلَّمَ فَهْدٌ عَلَى حَالِهِ، وَأَشْفَقَ عَلَى الرَّجُلِ الْكَهَنُوتِيِّ أَكْثَرَ مِن إِشْفَاقِهِ عَلَى نَفْسِهِ، لَا سِيَّمَا حِينَ رَأَى دُمُوعَ الْأُسْقُفِ وَهِيَ تَنْهَمِرُ مِنْ عَيْنَيْهِ الشَّاحِبَتَيْنِ ثُمَّ تَنْسَابُ مُتَعَرِّجَةً عَلَى وَجْهٍ مُجَعَّدٍ!…

خَتَمَ الْأُسْقُفُ حَدِيثَهُ مَعَ تَنْهِيدَةٍ رَفَعَتْ صَدْرَهُ قَلِيلًا إِلَى الْأَعْلَى: “سَتَظَلُّ فِي قَلْبِي طِفْلًا يَلْعَبُ دَاخِلَ الزُّقَاقِ… كُنْ جَدِيراً بِالْمَوْتِ فَالْحَيَاةُ لَا تَسْتَحِقُّكَ”. تَغَيَّرَتْ نَبْرَتُهُ الَّتِي اخْتَلَطَتْ بِحَمِيمِ الْبُكَاءِ، وَأَخَذَ يَدْعُو: “لِيَرْحَمَكَ اللَّهُ يَا بُنَيَّ… لِيَعْفُوَ عَنْكَ”… اسْتَدَارَ وَعَادَ إِلَى الْوَرَاءِ، وَكَانَ قَدْ ظَهَرَ عَلَى جَسَدِهِ التَّرَاخِي، أَمْسَكَ مَنْدِيلًا وَأَخَذَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ الْمُشْبَعَ بِالدُّمُوعِ. غَابَ صَوْتُ الْأُسْقُفِ مَعَ صَوْتِ آمِرِ السِّجْنِ وَهُوَ يَقُولُ: “تَفَضَّلْ يَا حَضْرَةَ الشَّيْخِ… إِنْ كَانَ لَدَيْكَ شَيْءٌ فَقُلْهُ بِاخْتِصَارٍ.”

أَخَذَ الشَّيْخُ الْمُسِنُّ مَكَانَهُ بِأَنْ تَوَسَّطَ الْحُضُورَ، وَصَوَّبَ نَظَرَهُ مُبَاشَرَةً نَحْوَ الْقَاتِلَيْنِ، قَائِلاً: “بِاسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْخَلْقِ وَالْمُرْسَلِينَ -مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ- وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ أَجْمَعِينَ، قَالَ تَعَالَى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ.. أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْكُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ، وَيَرْحَمَكُمْ مِنْ نَارِ الْجَحِيمِ…. لَقَدْ ظَلَمَتْكُمُ الْحَيَاةُ كَثِيراً، فَظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أَكْثَرَ بِالسَّعْيِ وَرَاءَ الِانْتِقَامِ وَالثَّأْرِ، وَكَأَنَّ لَا وُجُودَ لِرَبٍّ تَحْتَسِبُونَ أَمْرَكُمْ عِنْدَهُ……. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ، كُلُّنَا لِلَّهِ، قَالَ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ…. هَلْ لِأَحَدِكُمَا وَصِيَّةٌ يُوصِي بِهَا؟”

صَمْتٌ عَمَّ وَأَطْبَقَ عَلَى الْمَكَانِ لِدَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ خَرَجَ صَوْتٌ أَكْثَرُ لَهْفَةً: “هُوَ أَخِي… الَّذِي يَقِفُ بِجَانِبِي الْآنَ هُوَ أَخِي، سَبَقَ وَأَنْ اتُّهِمْتُ بِإِغْرَاقِهِ دَاخِلَ حَوْضِ مَاءٍ، الثَّوْبُ الَّذِي كَانَ يَرْتَدِيهِ، وَجَسَدُهُ الْمُبْتَلُّ، كُلُّهَا عَلَامَاتٌ تَشِي بِذَلِكَ. الْمُهِمُّ هُوَ أَنَّنِي بَرِيءٌ مِنْ دَمِهِ… الْمُحْزِنُ أَنَّ كُلَّ الَّذِينَ سَيُسْعِدُهُمْ هَذَا الْخَبَرُ، قَدْ قَتَلَهُمْ ذَاتُ الشَّخْصِ؛ وَالِدِي وَالْخَالَةُ سَنَاءُ، وَأَجِنَّةٌ لَوْ عَاشَتْ لَكَانُوا الْآنَ إِخْوَةً لِفَهْدٍ”.

تَصَاعَدَتْ بَعْضُ الْهَمْهَمَاتِ مِنَ الْحَاضِرِينَ، وَأَسْكَتَهَا صَوْتُ مَازِنٍ: “أَنَا لَا أُطَالِبُ بِإِعَادَةِ التَّحْقِيقِ، فَالرَّجُلُ الَّذِي فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ كَانَتْ نِيَّتُهُ وَاضِحَةً: الِاسْتِحْوَاذُ عَلَى مَنْزِلِ وَالِدِي ذِي الطَّابَعِ الْعُمْرَانِيِّ الْقَدِيمِ وَالْفَخْمِ، وَفِي سَبِيلِ سَعْيِهِ تَخَلَّصَ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَ، فَضَّلَ أَنْ تَكْبُرَ بُذُورُ النَّرْجِسِ فِي لَحْمِ صِغَارِهِ عَلَى أَنْ يَرَاهُمْ هُمْ يَكْبُرُونَ! لَمْ يَشَأْ أَنْ يُثِيرَ الشَّكَّ حَوْلَ نَفْسِهِ، بَعْدَ خَسَارَةِ اثْنَيْنِ مِنْ ذَاتِ الْمَنْزِلِ، الرَّضِيعِ وَوَالِدِهِ، فَقَرَّرَ أَنْ يُرْجِئَ مُهِمَّةَ التَّخَلُّصِ مِنِّي إِلَى وَقْتٍ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَغْمَ ذَلِكَ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ فِكْرَةُ خِصَائِي، فَعَجَّلَ بِهَا لِيَقْطَعَ عَلَى الْقَدَرِ فِكْرَةَ أَنْ يُزَاحِمَهُ أَوْلَادِي عَلَى الْمَكَانِ. بِصِدْقٍ أَنَا أُطَالِبُ بِتَنْفِيذِ الْقِصَاصِ، قَلْبِي فَارِغٌ مِنَ الْأَحِبَّةِ وَالْأَهْلِ، الْأَمْسُ كَالْغَدِ، لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا… لَنْ يَكُونَ مَعِي أَحَدٌ، وَأَجِدُ أَنَّهُ مِنَ الْأَجْدَى اللَّحَاقُ بِأُمِّي وَوَالِدِي، غَيْرَ أَنَّنِي أَتَحَفَّظُ عَلَى إِعْدَامِ أَخِي مَهَنَّدٍ، فَقَدْ اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ لَمْ يَرْتَكِبْهُ، لَمْ يَكُنْ مُضْطَرّاً لِأَنْ يَعْتَرِفَ بِجَرِيمَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَحْتَمِلْ فَقْدَ حَبِيبَتِهِ، خَاصَّةً وَأَنَّ قَلْبَهَا يَنْبِضُ الْآنَ فِي قَلْبِ مَنْ كَانَتْ لَهُ الْأُمَّ وَالْأَهْلَ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الِاعْتِرَافَ فِي جَرِيمَةٍ لَيْسَ لَهُ فِيهَا عَدَا أَنَّهُ دَفَنَ الضَّحِيَّةَ فِي قَبْوِ مَنْزِلِهِ.”

كَانَ مَازِنٌ يُخَاطِبُ الرُّؤُوسَ الْمُهِمَّةَ مِنَ الْحُضُورِ وَفِي ذَاتِ الْوَقْتِ يَتَتَبَّعُ خُطُوَاتِ النَّحَّاتِ، الَّذِي أَخْفَى نَفْسَهُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَرِيضَيْنِ فِي آخِرِ صَفٍّ مِنَ الْحُضُورِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فَقَدْ لَاحَظَ فَهْدٌ خُطُوَاتِ النَّحَّاتِ الْمُثِيرَةَ لِلرِّيبَةِ، دُونَ أَنْ يَتَأَكَّدَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ مِنْ هُوِيَّتِهِ، غَيْرَ أَنَّ قَلْبَهُ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ، فَذَكَّرَ نَفْسَهُ الْمَسْحُوقَةَ بِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَدْ أَلْقَى بِهِ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى حَاوِيَةِ الْقُمَامَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ الْمَصِيرُ إِلَى دُورِ الْأَيْتَامِ وَالرِّعَايَةِ، ثُمَّ يَمْتَهِنَ اللُّصُوصِيَّةَ وَيَتَحَايَلَ عَلَى قُلُوبِ الضَّعِيفَاتِ مِنَ النِّسَاءِ.

“انْتَهَى الْعَرْضُ” قَالَ الْمُحَقِّقُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: “لَا مَجَالَ لِلشَّكِّ بِأَنَّكُمَا سَاعَدْتُمَانِي كَثِيراً عَلَى الْفَهْمِ، سَتُعَاقَبَانِ عَلَى الْأَخْطَاءِ الَّتِي اقْتَرَفْتُمُوهَا أَنْتُمْ، لَا عَلَى جَرَائِمِ الْغَيْرِ… لَا زِلْنَا فِي التَّحْقِيقِ لَكِنَّنِي تَعَثَّرْتُ كَثِيراً فِي الْفَهْمِ، فَكَانَ عَلَيَّ ادِّعَاءُ هَذَا الْحُكْمِ الْكَاذِبِ لِشِدَّةِ مَا وَجَدْتُ فِيكُمْ مِنَ احْبَاطٍ وَاسْتِسْلَامٍ، أَغْلَقْتُمُ الْأَبْوَابَ كُلَّهَا أَمَامَ الْحَقِيقَةِ، رَغْمَ أَنَّنِي يَا مَازِنُ اسْتَطَعْتُ إِعَادَةَ الْفِيدِيُوهَاتِ الْمَحْذُوفَةِ، الَّتِي الْتَقَطَتْهَا كَامِيرَاتُ السَّاحَةِ، عَنْ طَرِيقِ بَرَامِجَ خَاصَّةٍ، وَشَاهَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ… وَأَنْتَ يَا فَهْدُ، كَمْ كَانَتْ تُحِبُّكَ تِلْكَ الْفَتَاةُ، فَقَدْ قَرَأْتُ الرِّسَالَةَ الَّتِي تَرَكَتْهَا لَكَ مِنْ أَجْلِ يَوْمٍ كَهَذَا، وَأَظُنُّكَ تَرْغَبُ فِي مَعْرِفةِ مَا قَالَتْهُ عَنْكَ… لَمْ أَكُنْ أَتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَا أَخَوَيْنِ، فَقَدْ جَمَعْتُكُمَا مَعاً كَوْنَكُمَا تَصْرَخَانِ فِي عَقْلِي دَائِماً، تَقُولَانِ لِي: أَظْهِرِ الْحَقِيقَةَ… أَظْهِرْهَا.”

يَصْرَخُ الْمُحَقِّقُ مَرَّةً أُخْرَى مُوَجِّهاً حَدِيثَهُ لِفَرِيقِ الشُّرْطَةِ: “لَا أُرِيدُ لِأَحَدٍ الْخُرُوجَ مِنْ هُنَا”. يَتَوَجَّهُ الْمُحَقِّقُ بِنَظَرَاتِهِ الْحَادَّةِ إِلَى مَازِنٍ وَهُوَ يَقُولُ: “مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ الْأَمْرَ اقْتَصَرَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ؟ سَتَعْرِفُ لَاحِقاً مَاذَا حَدَثَ فِي الْكَنِيسَةِ، وَفِي بُيُوتِ النُّبَلَاءِ، وَفِي قَاعَةِ الْفَرَحِ الْأَخِيرَةِ”. كَانَ الْمُحَقِّقُ يَتَحَدَّثُ وَذِهْنُهُ تَسْتَعْرِضُ الْمَشَاهِدَ بِسُرْعَةٍ: يَدُ الْبَابَا بَوْلُسَ وَهِيَ تَمْسَحُ قَدَمَ تِمْثَالِ الْمَسِيحِ احْتِرَاماً وَتَقْدِيساً لِرُوحِهِ، فَيَتَسَرَّبُ السُّمُّ مِنَ النُّحَاسِ إِلَى مَسَامَاتِ جِلْدِهِ، لِيُدْرِكَهُ الْمَوْتُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَمَشْهَدٌ آخَرُ لِرَجُلٍ طَوِيلٍ يَرْكُضُ فِي مَجَارِيرِ الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ سَرَقَ خَزْنَةَ أَحَدِ الْأَثْرِيَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُحَيِّرَ: لِمَ دَفَعَ صَاحِبُ الْقَصْرِ بِصِغَارِهِ الثَّلَاثَةِ إِلَى نَارِ الْمِدْفَأَةِ، وَاحِداً تَلْوَ الْآخَرِ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهَا؟ كَمَا وَتَرَاءَى إِلَى ذِهْنِهِ مَشْهَدُ الْعُرْسِ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى كَارِثَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ؛ كُلُّ مَنْ فِي الْقَاعَةِ إِمَّا قُتِلَ أَوْ احْتَرَقَ بِمُجَرَّدِ أَنْ قَطَعَتِ السِّكِّينُ الطَّوِيلَةُ قَالَبَ الْحَلْوَى الصَّغِيرَ الَّذِي يَعْلُو مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَوَالِبِ عَلَى هَيْئَةِ شَجَرَةِ الْمِيلَادِ، حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا سَائِلٌ أَبْيَضُ انْدَفَعَ نَحْوَ الشُّمُوعِ الْمَغْرُوزَةِ فِي بَقِيَّةِ الْقَوَالِبِ، فَهَبَّتِ النَّارُ وَاشْتَعَلَتْ كَجَهَنَّمَ الصُّغْرَى تَحْرِقُ مَنْ حَوْلَهَا. وَعِنْدَ تَنَبُّهِ جِهَازِ إِطْفَاءِ النَّارِ الْمُثَبَّتِ فِي السَّقْفِ عَلَى شَكْلِ مَرَشٍّ بِفَعْلِ الْحَرَارَةِ الزَّائِدَةِ، أَخَذَ يَدْفَعُ الْمَاءَ الَّذِي بَدَلًا مِنْ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى إِطْفَائِهَا سَاعَدَ عَلَى نَشْرِهَا وَزِيَادَتِهَا، لَمْ يَكُنْ مَاءً بَلْ كَانَ كِيرُوسِين. كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مُدَبَّراً بِمَا فِي ذَلِكَ أَبْوَابُ الْأَقْفَالِ الْمُقْفَلَةُ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ، جَمِيعُ مَنْ كَانَ فِي الْفَرَحِ اصْطَادَتْهُمُ النَّارُ وَكَأَنَّهُمْ فِي فُرْنٍ تَزِيدُ حَرَارَتُهُ مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ.

لَمْ يَقُلِ الْمُحَقِّقُ شَيْئاً غَيْرَ أَنَّ صُورَةَ النَّحَّاتِ الَّتِي الْتَقَطَتْهَا شَاشَاتُ الْكَامِيرَا فِي جَرِيمَةِ التَّوَابِيتِ هِيَ ذَاتُهَا الصُّورَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي كَامِيرَاتِ الْعُرْسِ قَبْلَ انْدِلَاعِ الْحَرِيقِ بِدَقَائِقَ، وَهُوَ ذَاتُهُ النَّحَّاتُ الَّذِي صَنَعَ تِمْثَالَ الْمَسِيحِ مِنَ النُّحَاسِ السَّامِّ، وَهُوَ مَنْ كَانَ يَرْتَادُ بُيُوتَ النُّبَلَاءِ فَيَخْلِطُ بَيْنَ السِّحْرِ وَالْفَنِّ بِطَرِيقَةٍ أَعْجَبَ مِنَ الْخَيَالِ. نَظَرَ الْمُحَقِّقُ إِلَى رِجَالِ الشُّرْطَةِ مُبَاشَرَةً فِي إِجْرَاءَاتِ اعْتِقَالِ النَّحَّاتِ، وَقَبْلَ أَنْ يُبْرِزَ رَجُلُ الْأَمْنِ مُذَكَّرَةَ الِاعْتِقَالِ مِنْ جَيْبِهِ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَسَاقَطُ عَلَى الْأَرْضِ؛ شَعَرَ الْجَمِيعُ بِغُثْيَانٍ شَدِيدٍ… جَمِيعُ مَنْ فِي السَّاحَةِ سَقَطُوا مَغْشِيّاً عَلَيْهِمْ، كُلُّهُمْ مَطْرُوحُونَ عَلَى الْأَرْضِ بِاسْتِثْنَاءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ يُغَطِّي رَأْسَهُ بِبِطَانِيَّةٍ مِنَ الْأَخْضَرِ الْمُغْمَقِّ، وَقَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا وَفِي عَيْنَيْهِ ابْتِسَامَةُ مَكْرٍ…

admin

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

‫2 تعليقات

  1. رواية ” ورشة علوان”
    هل علاجك فى البيئة التى بها مرضت ؟ أم هناك ؟ فى بيئة أخرى ؟
    ” أحمد علوان” طالب هندسة القاهرة الذى ألمت به عثرات حياتية تعرض معها للاعتقال فى الستينيات لشبهة تواجده في هذا المنتدى الذى فرض عليه فى غرفته بالمدينة الجامعية ، ومعيته ابنة خالته ليلى الدرعمية التى شاركته مشاعره خاصة مع الصراع الأسرى حول ورشة والده تلك الدجاجة التي تبيض ذهباً للأسرة – هكذا ظنوها ـ فمعظمهم بعيدين عنها و تقع عثراتها ومتطلباتها على عاتق المهندس أحمد ٠
    رافق أحمد زوجته ليلى مرغمين إلى مدينة جديدة عن طريق القوى العاملة وكانت الغردقة فى بدايات نهضتها السياحية هى بيئة التغيير والعلاج والطموح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى