مقالات وأعمده

«همسة» في دورته الرابعة عشرة.. ليلة اجتمع فيها وهج الفن ببهاء الكلمة ووفاء الذاكرة

نجوم الفن والأدب والثقافة يضيئون مسرح سيد درويش.. وعلي الحجار يستعيد روح عمار الشريعي بـ«هنا القاهرة» في ليلة حملت اسم الراحل مصطفى فهمي

كتبت / د. شيماء عمارة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تكن ليلة عادية من ليالي المهرجانات.. ولم يكن المشهد مجرد سجادة حمراء تعبرها الوجوه اللامعة قبل أن تنطفئ أضواء الكاميرات؛ بل بدا مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون في دورته الرابعة عشرة وكأنه يعيد التأكيد.. عامًا بعد عام، أن الفن حين يجاور الأدب… وحين تتصافح الذاكرة مع الحاضر.. تستطيع الثقافة أن تصنع احتفالًا تتجاوز قيمته حدود الجوائز والدروع.

ففي رحاب مسرح سيد درويش بأكاديمية الفنون… اجتمعت نخبة من نجوم الفن والموسيقى والدراما والإخراج.. إلى جانب الأدباء والشعراء والنقاد والمبدعين من مصر وعدد من البلدان العربية، في الدورة التي حملت اسم الفنان الراحل مصطفى فهمي؛ وفاءً لمسيرة فنية امتدت لعقود وتركت حضورها الواضح في ذاكرة السينما والتلفزيون المصري والعربي. وقد أكدت إدارة المهرجان منذ الإعلان عن الدورة أن اختيار اسمه جاء تقديرًا لمسيرته ومكانته الفنية.

منذ اللحظات الأولى.. بدا واضحًا أن المساء مقبل على احتفالية استثنائية.

اصطف المصورون ووسائل الإعلام أمام الخلفية التي حملت الشعار المميز لمهرجان همسة، بينما بدأت الوجوه الفنية والثقافية في التوافد تباعًا إلى الـRed Carpet ـ الريد كاربت.. وسط ومضات الكاميرات وأسئلة المراسلين وعدسات القنوات الفضائية والصحف والمجلات والمواقع المهتمة بالشأن الفني والثقافي.

وكان من أبرز الحضور الفنان الكبير علي الحجار.. الذي لفت الأنظار منذ وصوله بصحبة حرمه، إلى جانب الفنان حمزة العيلي، والفنان محمد علاء، الفنانة ميرنا وليد.. والفنانة القديرة سحر رامي.. الفنانة الكبيرة عارفة عبدالرسول وعدد كبير من الفنانين وصناع الدراما والمخرجين والشخصيات العامة والإعلاميين.

وعلى امتداد السجادة الحمراء.. توالت اللقاءات التلفزيونية والصحفية.. بينما حملت الأسئلة أكثر من معنى: عن قيمة التكريم… وعن دور الفن في تشكيل الوعي.. وعن استمرار مهرجان أدبي وفني لأربع عشرة دورة متتالية في مشهد ثقافي شديد التغير.

ومع اكتمال الحضور.. انتقلت الاحتفالية إلى خشبة مسرح سيد درويش بأكاديمية الفنون، حيث افتتح الكاتب الصحفي فتحي الحصري رئيس مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون.. فعاليات الحفل بكلمة حملت رؤية تتجاوز حدود المناسبة ذاتها إلى السؤال الأكبر عن موقع الفن والثقافة في المجتمع.

وجاءت الكلمة لتؤكد أن الفن والثقافة ليسا ترفًا هامشيًا.. وإنما إحدى دعائم بناء المجتمع وتحصين وعيه… وأن مسؤولية المؤسسات الثقافية اليوم أصبحت أشد إلحاحًا في ظل التحولات التي فرضها الفضاء الرقمي.

وتوقفت الكلمة عند الوجه الآخر لبعض الاستخدامات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي.. في تحذير هام من أن يتحول السعي وراء الانتشار السريع والشهرة الخالية من القيمة إلى بديل عن المعرفة والتعليم والعمل والإبداع الحقيقي.

وكان الإصرار على أن تكون الرسالة موجهة قبل غيرهم إلى الشباب والأسر: حماية الوعي لا تتم بالمنع وحده، وإنما بصناعة البديل، ودعم النموذج الذي يجعل العلم والعمل والفن الرفيع مسارات تستحق التقدير والاحتفاء.

وفي هذا السياق بدا مهرجان همسة نفسه وكأنه يقدم إجابة عملية عن ذلك السؤال؛ فهو لا يحتفي بنجوم الشاشة فحسب، بل يمنح الأدباء والشعراء وكتاب القصة والرواية والسيناريو مساحة متوازية على المنصة ذاتها.

وأيضاً كان للوفاء مكان بارز في قلب الاحتفالية.

فقد عُرض فيلم تسجيلي خاص بالفنان الراحل مصطفى فهمي، استعاد محطات من مسيرته الفنية وعددًا من مشاهده وأعماله، إلى جانب مقتطفات من أحاديثه وظهوره الإعلامي، بما أعاد إلى الحضور صورة الفنان الذي جمع بين الحضور الهادئ والأناقة والرصانة على الشاشة.

ولم يكن اختيار اسمه عنوانًا للدورة الرابعة عشرة مجرد تسمية بروتوكولية؛ فقد سبق لإدارة المهرجان أن أعلنت أن الدورة تحمل اسمه اعترافًا بمسيرته السينمائية والتلفزيونية الطويلة ووفاءً لذكراه.

وعقب الفيلم، جاء التكريم ليمنح اللحظة بعدها الإنساني، حين قُدم درع همسة إلى أسرته، في مشهد استقبلته القاعة بكثير من التقدير والحنين.

ولم يتوقف باب الوفاء عند مصطفى فهمي.

فقد خصص المهرجان فقرات تذكارية لعدد من رموز الفن الذين رحلوا وبقي أثرهم، في تقليد يؤكد أن الذاكرة الفنية جزء أصيل من رسالة المهرجان.

وكان من بينهم الفنان الكوميدي الكبير محمد عوض، الذي استعاد الحفل جانبًا من مسيرته عبر مادة تسجيلية، قبل تقديم التكريم إلى نجله المخرج عادل عوض. وقد وثقت تغطيات لاحقة تكريم اسم الفنان الراحل محمد عوض وتسلم نجله عادل عوض التكريم.

واللافت أن هذه الفقرات لم تأخذ شكل الرثاء التقليدي بقدر ما تحولت إلى استعادة للحضور؛ فالفنان قد يغيب بجسده، لكن العمل الجيد يمتلك قدرة عجيبة على تحدي الزمن.

ومن أكثر لحظات الحفل دفئًا وتأثيرًا جاءت فقرة تكريم الموسيقار الكبير الراحل عمار الشريعي.

بعد عرض فيلم قصير استعاد مسيرته وبعضًا من محطات حياته وأعماله، دُعي الفنان الكبير علي الحجار إلى المسرح ليتسلم درع التكريم نيابة عن صديق مشواره.
وهنا خرجت الفقرة من حدود البروتوكول إلى مساحة إنسانية نادرة.

تحدث الحجار عن علاقته الطويلة بالشريعي، وعن البدايات التي جمعتهما منذ مسلسل «الأيام» عام 1978، وعن موهبة الموسيقار الراحل وقدرته الاستثنائية التي وضعته في صدارة المشهد الموسيقي عن استحقاق. وقد نقلت الصحافة حديث
لم تكن الكلمة مجرد شهادة من مطرب عن ملحن، وإنما شهادة صديق عاش مرحلة كاملة من تاريخ الموسيقى المصرية مع رجل استطاع أن يرى بالنغم ما قد يعجز الآخرون عن رؤيته بالعين.

ثم انتقلت الليلة من تكريم الراحلين إلى الاحتفاء بأصحاب الحضور الفني المعاصر.

وتوالت أسماء الفنانين والمبدعين الذين صعدوا إلى منصة همسة وسط تصفيق الجمهور، فكان من بينهم الفنان الكبير علي الحجار، والفنانة القديرة سحر رامي، والفنان حمزة العيلي، والفنان محمد علاء، والفنان خالد سرحان، والفنانة عارفة عبد الرسول، والمخرجة مايا أشرف زكي، والفنانة ميرنا وليد وغيرهم ممن احتفى المهرجان بإسهاماتهم وتجاربهم الفنية.

وكان المهرجان، كعادته، أوسع من حصر التكريم داخل مجال فني واحد؛ إذ امتدت دروعه وشهاداته إلى نماذج من مجالات الإعلام والمجتمع وريادة الأعمال والتغذية والتجميل والأزياء والصحة والعناية والجمال، في صورة تعكس تنوع دوائر الحضور حول الحدث.

وشملت التغطيات الصحفية بالفعل تكريم شخصيات من خارج الوسط الفني التقليدي، من بينها خبيرة التغذية د. دعاء سهيل وعدد من الشخصيات العامة والمهنية.

ولأن المهرجان الذي يكرم الكبار مطالب في الوقت نفسه بأن يفتح الباب للقادمين، حضرت المواهب الشابة بقوة ضمن فقرات الاحتفالية.

فقد شهد المسرح فقرة غنائية قدمتها الموهبة الشابة (ملك………) أعقبتها مشاركة موهبة أخرى ( حازم………..) الذي اختار إحدى أغنيات الفنان علي الحجار، في لحظة بدت وكأنها حوار فني بين جيل يملك التاريخ وجيل يبحث عن أول الطريق.

وتلك ربما إحدى أكثر رسائل همسة وضوحًا: أن الاحتفاء بالتراث لا قيمة له إذا لم يتحول إلى جسر تعبر عليه موهبة جديدة.

غير أن إحدى اللحظات التي ستبقى طويلًا في ذاكرة جمهور الدورة الرابعة عشرة جاءت حين أمسك علي الحجار بالميكروفون.

ومع النغمات الأولى لأغنية «هنا القاهرة»، ألحان الموسيقار الراحل عمار الشريعي، تغير مزاج القاعة.

لم تعد المسألة فقرة غنائية في برنامج طويل، بل لحظة حنين جماعي؛ أغنية تعرفها الذاكرة قبل أن تتذكر كلماتها، وصوت ارتبط لعقود بوجدان الجمهور المصري والعربي.

وفي قاعة سيد درويش المزدحمة، التقت الأغنية باسم الملحن الذي جرى تكريمه قبل قليل بصوت رفيق مشواره، لتصبح الفقرة ربما أجمل رد فني ممكن على فكرة الغياب:
الفنان يرحل… أما ما صنعه بحق، فيبقى قادرًا على ملء المسرح.

وإذا كان وهج النجوم يجذب عدسات الكاميرات، فإن خصوصية مهرجان همسة تأتي من شيء آخر لا يقل أهمية: أنه مهرجان يحمل الأدب في اسمه وفي جوهر مشروعه.

فعلى مدار دوراته، لا يكتفي المهرجان باستفتاءات الدراما والفن، وإنما يدعم حركة إبداعية موازية من خلال مسابقاته الأدبية في الشعر والقصة والرواية والسيناريو، بما يتيح لأصوات جديدة من مصر والعالم العربي أن تجد نافذة للظهور والتقييم والتقدير.

وفي هذه الدورة، حظي الفائزون في المسابقة الأدبية بحضور واضح، حيث جرى تكريم أصحاب المراكز الأولى في الحفل الرئيسي بعد أن شهدت الندوة التحضيرية السابقة للمهرجان تكريمًا لعدد من الفائزين في المراكز التالية.

وهنا تبرز قيمة التجربة: فإلى جوار الفنان الذي يعرفه الملايين، يصعد شاعر أو روائي ربما يقف للمرة الأولى أمام هذا العدد من الحضور….. وهذه ليست تفصيلة صغيرة.

فالمشهد الثقافي لا يُصنع فقط من الأسماء التي وصلت، وإنما كذلك من الأبواب التي تُفتح لمن لم يصلوا بعد.

ويزداد ثقل التجربة مع مشاركة أسماء فنية وثقافية بارزة في لجان المهرجان وآليات الاختيار والتحكيم.

فقد ضمت لجنة تحكيم الدراما في الدورة الرابعة عشرة، المخرج هاني لاشين رئيسًا، وشارك فيها المخرج رؤوف عبد العزيز، والمخرج المسرحي حسام الدين صلاح، والمخرج عادل عبده، والفنانة ميرنا وليد، والكاتب والسيناريست أنيس بوجواري، والمطرب أحمد إبراهيم، تحت إشراف رئيس المهرجان.
ويمنح ذلك عملية التكريم بُعدًا أبعد من مجرد الاحتفاء؛ إذ تصبح جزءًا من حالة نقدية وفنية تشارك فيها أسماء صاحبة خبرة حقيقية في الصناعة.

كما يضم الهيكل التنظيمي للمهرجان فريقًا ممتدًا من الإدارة والإعداد والإخراج والإعلام والعلاقات العامة والتصوير ومديري الندوات، وهو ما بدا أثره واضحًا في قدرة الحدث على الانتقال بين عدد كبير من الفقرات والضيوف والتكريمات.

وفي التفاتة لا تحدث دائمًا في المهرجانات، امتد التكريم إلى فريق عمل همسة نفسه.

فصعد إلى المنصة عدد من المصورين والمعدين والمنسقين، والعاملين في إدارة المهرجان ومديرو الندوات، وأعضاء لجان التحكيم والنقد الأدبي والفني، وكل من أسهم في خروج الدورة إلى النور.

وكانت الرسالة جميلة في بساطتها:

ليست كل صناعة الفن أمام الكاميرا.

هناك عشرات يعملون كي يصل النجم إلى اللحظة التي تصفق له فيها القاعة.

ولذلك كان من الطبيعي أن ينال بعض الضوء أيضًا أولئك الذين اعتادوا الوقوف خلفه.

ولم يكن وصف «الدولي» مجرد إضافة إلى الاسم؛ إذ شهدت فعاليات همسة على امتداد مسابقاته وندواته مشاركة وتكريم أدباء ومبدعين وصناع فن من أكثر من دولة عربية، وهو ما يمنح المهرجان مساحة تتجاوز المحلية إلى بناء شبكة من العلاقات الثقافية والفنية عبر الوطن العربي.

ومن هنا، تصبح أهميته في المشهد الثقافي مضاعفة.

فهو يجمع بين الأدب والفن، وبين الكبار والشباب، وبين المصري والعربي، وبين التكريم واستدعاء الذاكرة واكتشاف الموهبة.

وقد يكون هذا التنوع تحديدًا أحد أسرار قدرة همسة على الوصول إلى دورته الرابعة عشرة؛ فالحدث الذي يظل أسير قالب واحد يفقد قدرته على التجدد، أما المهرجان الذي يفتح نوافذه على الشعر والدراما والموسيقى والسينما والرواية والنقد، فإنه يعيد تشكيل جمهوره كل عام.

ومع اقتراب الليلة من نهايتها، كانت خشبة سيد درويش قد استقبلت أجيالًا وتجارب ووجوهًا شديدة الاختلاف.

نجومًا كبارًا…

ومخرجين…

وأدباء…

وشعراء…

وشبابًا في بدايات الطريق…

وأسماء تعمل خلف الكواليس…

وشخصيات عامة جاءت من مجالات متنوعة.

وقبل إسدال الستار، عاد رئيس المهرجان إلى المسرح بكلمة ختامية، مؤكدًا استمرار رسالة همسة وحرصه على أن يظل المهرجان مساحة تجمع الفن والثقافة والإبداع.

ثم جاءت الصورة الجماعية.

لحظة قصيرة في الزمن، لكنها اختصرت الليلة كلها:

أجيال متعددة…

ومجالات مختلفة…

وأسماء من مصر والوطن العربي…

تقف في إطار واحد وتحت شعار واحد.

«همسة».. أربعة عشر عامًا من الرهان على القوة الناعمة

وبعد أربع عشر…دورة، يبدو السؤال الطبيعي:

ما الذي يجعل مهرجانًا يستمر؟

لا تكفي سجادة حمراء.

ولا يكفي حضور النجوم.

ولا تكفي الجوائز.

الاستمرار يحتاج إلى مشروع.

ومن هنا يمكن قراءة مهرجان همسة باعتباره مشروعًا يحاول أن يحافظ على مساحة للفن والأدب في زمن تتسارع فيه الأشياء بصورة تكاد تبتلع القدرة على التأمل.

كل عام يحمل المهرجان اسم أحد رموز الفن، فيعيد اسمه إلى الواجهة ويقول للأجيال الجديدة إن الذاكرة الثقافية ليست أرشيفًا مغلقًا…. وكل عام يقدم أسماءً جديدة.

فيعيد، في الاتجاه الآخر، التأكيد أن احترام الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى الإقامة فيه.

وبين الوفاء لمن رحلوا والاحتفاء بمن يبدعون الآن، وبين نجم كبير يصعد إلى المنصة وشاعر شاب يحمل جائزته الأولى، يصنع مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون لنفسه مساحة خاصة في المشهد الثقافي والفني العربي.

أما الدورة الرابعة عشرة، فقد اختصرت هذه الفلسفة في ليلة واحدة:

بدأت بوميض الكاميرات فوق السجادة الحمراء…

ومرت بذاكرة مصطفى فهمي ومحمد عوض وعمار الشريعي…

وتألقت بأصوات ووجوه نجوم الفن…

واحتفت بالأدباء والمبدعين…

ثم وصلت إلى لحظة غنى فيها علي الحجار:

«هنا القاهرة».

وكأن المدينة نفسها كانت تقول في تلك الليلة:

هنا ما زال للفن مكان…

وهنا ما زالت للكلمة قيمة…

وهنا، رغم كل الضجيج، تستطيع همسة أن تُسمَع.
تقرير د شيماء عمارة
مع تحيات فريق همسة للآداب والفنون

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى