ما الذي حدث، وما الذي يعنيه؟ لم يكن فوز الديمقراطي التقدمي عبد الرحمن السيد بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي مجرد نتيجة انتخابية لافتة، ولا مجرد واقعة رمزية تتصل بوصول أمريكي مسلم من أصول مصرية إلى واحدة من أهم مؤسسات التشريع في الولايات المتحدة. فالحدث يجمع بين مستويين متداخلين: اختراق تمثيلي تاريخي من جهة، واختبار سياسي لاتجاهات الحزب الديمقراطي وحدود النقاش العام حول المال السياسي والرعاية الصحية والعلاقة مع إسرائيل من جهة أخرى.
فاز السيد على الجمهوري مايك روجرز في انتخابات 3 نوفمبر 2026، وأصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي. ووفق النتائج التي نشرتها مصادر متابعة للفرز، حصل على نحو 52.5% مقابل نحو 45.5% لروجرز، مع بقاء الأرقام النهائية الرسمية المرجع الحاسم عند اعتمادها. وقد ربطت التغطيات فوزه بحملة شعبية ركزت على الرعاية الصحية الشاملة، والحد من تأثير الأموال الخارجية والشركات في الانتخابات، وانتقاد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
لكن قراءة الحدث من زاوية الهوية وحدها تظل قراءة ناقصة، كما أن اعتباره تحولًا مكتملًا في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط يمثل قفزة لا تسندها طبيعة النظام السياسي. الأهم هو فهم ما كشفته الانتخابات عن التنافس داخل الحزب الديمقراطي، وعن حدود قدرة المرشح التقدمي على تحويل التفويض الانتخابي إلى نفوذ تشريعي وسياسي.
وتقوم هذه القراءة على الفصل بين الوقائع التي أوردتها التغطيات الصحفية، والاستنتاجات التحليلية التي يمكن بناؤها عليها، والسيناريوهات المشروطة التي لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تنبؤات مؤكدة.
أولًا: المعركة لم تكن بين حزبين فقط
من الأخطاء اختزال المنافسة في مواجهة تقليدية بين الديمقراطيين والجمهوريين. فقد سبقت الانتخابات العامة معركة داخل الحزب الديمقراطي نفسه، عندما خاض السيد الانتخابات التمهيدية أمام النائبة هايلي ستيفنز، التي حظيت بدعم قطاعات من المؤسسة الحزبية. وانتهت تلك المواجهة بفوز السيد، رغم الإنفاق الخارجي الكبير الذي استهدف حملته.
ثم اتسع الانقسام عندما أعلنت ستيفنز، قبل الانتخابات العامة، تأييدها للمرشح الجمهوري روجرز. وقد كشفت هذه الخطوة عن خلاف يتجاوز الأشخاص إلى سؤال سياسي أعمق: من يحدد اتجاه الحزب الديمقراطي، قياداته وشبكات تمويله التقليدية، أم قواعده الانتخابية والتيارات التقدمية التي تطالب بتغيير أولويات الحزب؟
تكتسب هذه النقطة أهميتها من أن السيد لم ينتصر على منافس جمهوري فحسب، بل وصل إلى الانتخابات العامة بعد مواجهة مع مرشحة مدعومة من المؤسسة الحزبية. لذلك يمكن قراءة النتيجة بوصفها تعزيزًا لموقف التيار التقدمي داخل الحزب، لا دليلًا قاطعًا على انهيار المؤسسة أو فقدانها أدوات التأثير. فالمؤسسات الحزبية ما زالت تملك شبكات التمويل والتنظيم والخبرة الانتخابية، لكنها تواجه ضغطًا متزايدًا من قواعد ترى أن قضايا المعيشة والعدالة الاقتصادية والشفافية السياسية يجب أن تتقدم على الحسابات التقليدية.
ثانيًا: الاقتصاد الداخلي كان مدخلًا إلى السياسة الخارجية
بنى السيد حملته على قضايا تمس الحياة اليومية للناخبين، وفي مقدمتها تكاليف الرعاية الصحية، والقدرة على تحمل نفقات المعيشة، وتأثير المال السياسي في القرار العام. كما طرح برنامج الرعاية الصحية الشاملة المعروف باسم Medicare for All، ودعا إلى تقليص نفوذ الشركات والأموال الخارجية في الانتخابات.
سياسيًا، تكمن أهمية هذا الخطاب في أنه لم يعزل السياسة الخارجية عن الاقتصاد الداخلي. فقد جرى تقديم الإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية ضمن نقاش أوسع حول أولويات الموازنة العامة: هل ينبغي أن تتجه الموارد إلى الخدمات والبنية التحتية والصحة، أم إلى التزامات خارجية لا تحظى بإجماع اجتماعي؟
هذا الربط لا يعني أن الناخبين صوتوا جميعًا بدافع واحد، ولا يثبت أن موقف المرشح من إسرائيل كان العامل الحاسم في فوزه. فالانتخابات تتأثر عادة بتداخل قضايا الاقتصاد والهوية والحزب وشخصية المرشحين والسياق الوطني. لكن الحملة أظهرت أن نقد السياسة الخارجية يمكن أن يُطرح ضمن خطاب انتخابي أوسع، بدل أن يبقى ملفًا منفصلًا أو محاطًا بقيود سياسية شديدة.
ثالثًا: إسرائيل بين التحالف الاستراتيجي واتساع مساحة الخلاف
تستحق قضية إسرائيل معالجة دقيقة؛ لأن المبالغة في تفسير النتيجة لا تقل خطأ عن التقليل من دلالتها. ففوز السيد لا يعني أن المجتمع الأمريكي أصبح معاديًا لإسرائيل، ولا أنه يعلن نهاية التحالف الأمريكي …
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون