بعيداً عن السياسة ـــــــ كَثِيرُونَ هُم فِي بِلادِيَ لا يَأْبَهُونَ بِأَمرِ السِّيَاسَةْ . و لا مَا يَدُورُ بِأَروِقَةِ الحُكمِ أو فِي الكَوَالِيسِ أو مَن يَزُورُ قُصُورَ الرِّئَاسَةْ . و لا كَانَ يَشغَلُهُم مَا تَفَتَّقَ عَنهُ كَلامُ الوَزِيرِ الفُلانِيِّ عَن خُطَّةٍ لَم تَزَلْ فِي المَكَاتِبِ قَيدَ الدِّرَاسَةْ . و لا أَنْ يُغيَّرَ هَذَا المُدِيرُ العَبُوسُ بِآخَرَ يَبدُو بَشُوشاً و يَعرِفُ كَيفَ تَكُونُ الَّلبَاقَةُ ، كَيفَ تَكُونُ الكَيَاسَةْ . و لا يَعرِفُونَ عَنِ النُّخَبِ المُستَفِزَّةِ شَيْئاً سِوَى أَنَّهُم كَالتَّمَاثِيلِ فِي قَنَوَاتِ الضَّجِيجِ أَمَامَ مُذِيعٍ سَخِيفٍ يَعِيثُ بِأُمِّ الُّلغَاتِ فَسَاداً فَيَرفَعُ مَفعُولَهَا ، أَو يُجَرجِرُ فَاعِلَهَا فِي التُّرَابْ . و يَفرِضُ رَأياً يَرَاهُ صَوَابَ الصَّوَابْ . و يَحسَبُ أَنَّ لَدَيْهِ الفَرَاسَةْ. و أَكثَرُ مَن فِي بِلادِيَ لا يَعرِفُونَ طَرِيقَ البُنُوكِ و لا بُورصَةُ النَّقدِ تَعنِي لَهُم أَيَّ شَيءٍ فَهُم أَبعدُ النَّاسِ عَنهَا و عَن أَسهُمٍ مَرَّةً فِي اْرتِفَاعٍ و أُخرَى .. كَحَالَتِهِم .. فِي هُبُوطٍ و لا يَعرِفُونَ طَرِيقاً إِلَى أَيِّ مُنتَجَعٍ سَاحِلِيٍّ شَمَالِ البِلادِ عَلَى بَابِهِ الضَّخمِ يَستَعرِضُ " البُودِي جَاردُ " كِلابَ الحِرَاسَةْ . و لا يَعرِفُونَ مَرَاقِصَ يَقضِي بِهَا المَاجِنُونَ الَّليَالِيْ . عَلى وَقعِ خُلخَالِ رَاقِصَةٍ يَنثُرُونَ عَلَى خَصرِهَا الَّلولَبِيِّ اللَّآلِيْ . لِكَي مَا تَحِنُّ العَرُوبُ عَلَيهِم بِلَيْلَةِ أُنسٍ تُدَارُ بِهَا الكَأْسُ تُلقِي بِهِم خَامِدِينَ مِنَ السُّكْرِ و المُوبِقَاتِ بِدَربِ التَّعَاسَةْ . و أَكثَرُ مَن فِي بِلادِيَ لا يَطمَحُونَ بِقَصرٍ مَشِيدٍ و لَكِنْ بِبَيتٍ يَلُمُّ شَتَاتَ العِيَالِ بِكُلِّ الإِشَارَاتِ أَو فِي الشَّوَارِعِ أو فِي المَقَابِرِ أو حَاوِيَاتِ الكُنَاسَةْ . و كُلُّ الَّذِينَ جَرَى فِي عُرُوقِهِمُ النِّيلُ حُرَّاً أَبِيّاً و هُم يَستَقِلُونَ أَقدَامَهُمْ لِلحُقُولِ ، و يَمشُونَ فِي شَمَمٍ لِلمَصَانِعِ مِن أَجلِ لُقَمَةِ عَيْشٍ تُقِيمُ الحَيَاةَ هُمُ الفُقَرَاءُ هُمُ البُسَطَاءُ هُمُ الحًالِمُونَ بِأَمنٍ و رَايَةِ عَدلٍ تُرَفرِفُ فَوقَ الرُّؤُوسِ هُمُ الآمِلُونَ بِأَلَّا تُبَاعَ أَمَانِيُّهُمْ بَعدَ يُونْيُو بِسُوقِ النِّخَاسَةْ . فَهَلْ يَحمِلُ الغَدُ أَحلَامَهُمْ للِّسَمَاءْ ؟!