
مسابقة مهرجان همسة للآداب والفنون 2026
اسم القصة: صرخة في وجه المدينة الهادئة.
عدد الكلمات: 867 كلمة
الكاتب: د/ أيمن الداكر حمدون
الشهرة: أيمن الداكر
الدولة: مصر
صفحة الواتس: أيمن الداكر
قصة قصيرة/ صرخة في وجه المدينة الهادئة.
بقلم/ أيمن الداكر – مصر
صرخة في وجه المدينة الهادئة
بصيص ضوء يعافر عتمة زجاج النافذة، الخيط الأبيض من الفجر يقرض أسوده حثيثًا، أشياء عديدة تعتمل في صدره منذ عودته، قرارات مؤجلة تؤرق مضجعه وتصيبه بالعجز والحيرة والتردّد، تارة يعض أنامله من الغيظ، وتارة أخرى يبتسم في هدوء وطمأنينة مصطنعة، يغادر فراشه مبكرًا إلى الشرفة، يرافقه فنجان قهوته السادة الذي يعده لنفسه بمهارة فائقة، يرتشفه وهو يبحث في الطرقات عمن يؤنس وحدته في تلك المدينة الهادئة، يبحث عن عابر سبيل أو بائع متجول ضل طريقه إلى هنا، أو طيف قط شارد يطارده كلب ضال أو أطفال صغار، فلا يجد غير شمس وليدة يتيمة تتسلّل من بين الأشجار، وزقزقة عصافير لا تراها عيناه، ولم تعتدها أذنه طوال سنواته الغابرة على شاطئ الخليج، فالعصافير لا تسكن الصحراء.
في ذلك الصباح. تأخر شعاع الفجر عن زيارة نافذته، وربما يكون هو قد نهض قبل موعده، يشعر بخدر يتنامى في ساقه اليسرى، ما زالت هي راقدة في سبات عميق إلى جواره، راح يتأملها وكأنه يرها لأول مرة، وجهها الخمري الهادئ يطل من بين ثنايا شعرها المصبوغ بعناية شديدة، تغضّن قليلًا بعدما زالت عنه مساحيقه وألوانه، لكن قسماته ما زالت تروق له وتحرك كل ساكن فيه، سرحت عيناه على صفحة الجسد الغارق في نعاسه، ينسدل عليه قميص حريري يكشف عن سهول ووديان بين طيات اللحم ودهن العتاقي، طافت على قلبه لحظة بهجة عابرة، فمنذ ساعات كان يمرح في بساتينها كطفل صغير مدلّل، يعبث فيها كيفما شاء وأينما شاء، يقطف زهراتها فتجاوبه رياحينها تمايلًا وغنجًا جميلًا، قبل أن تنطفئ اللذة بغتة ويسكنهما سبات عميق، يتكور كل منهما على نفسه مغمض العينين وكأنهما يتشبثان بتلابيب حلم جميل مزقته لحظة الإفاقة.
ودّ لو يحتضنها مرّة أخرى ويروح في غفوة طويلة، لكنه لم يفعل، انسحب في هدوء متسلّلًا نحو الردهة، صمت مطبق يلف البيت، تابع خطواته نحو الشرفة المطلة على الشارع الكبير، أربعون صباحًا مرت منذ عودته ولم يستطع أن يغير من عاداته أو عاداتهم، فقط استبدل ساعات العمل الصباحي بالجلوس الممل في الشرفة واجترار الذكريات، جمعتهم مائدة الطعام بضع مرات في أيامه الأولى، ثم تباعدت المسافات فأصابه شوق غريب إليهم وهو بينهم.
نهض ليعد لنفسه فنجان آخر من القهوة السادة، لم يكن في حاجة لإضاءة الممر المؤدي إلى المطبخ، فقد غمره الضوء العابر من الغرفة المقابلة، عبر بابها الموارب في هدوء فباغتته الفوضى التي تعج بها، وساكنها يرقد غير مستو في فراشه، يتدلى رأسه نحو الأرض ومن عنقه تتدلى سلسلة فضية عريضة، يختنق معصمه الأيسر بفتائل مجدولة وملونة وحلقة جلدية سوداء، تأمله في غضب وهمَّ أن ينزع عنه تلك الفتائل والسلسلة، أن يلكزه بقوة ليخرجه من غفوته، لكنه تذكَّر محاولاته السابقة، وكيف نهرته زوجته في غضب قائلة:
-
لا تجعلهم يكرهون عودتك.
فترت عزيمته وتهاوت همته، رفع رأس ابنه المتدلي نحو الأرض، عدل وضع الجسد المفعم بفوران المراهقة على الفراش، ثم جالت عيناه في جنبات الغرفة وغادرها في يأس.
ألقى بنظره نحو الغرفة في نهاية الممر وبابها الموصود دائمًا، تمنى لو يستطيع أن يدفعه ليجالس ربة الغرفة، أن يضمها إلى صدره ويطبع قبلة حانية على جبينها، تؤرقه فزعتها في وجهه عندما دفع باب غرفتها دون انتظار الإذن بالدخول، فصرخت وهي تعدل وضع ملابسها قائلة: بابا.
لم تكن صرخة فرح أو ترحيبًا به، فأغلق الباب وانسحب مبهوتًا، وزجرته زوجته قائلة:
-
ابنتك كبرت.
تقهقر نحو الشرفة وهو يردّد في نفسه: كبرت؟ متى وكيف؟
في زاوية الشرفة، زهرة وليدة تفتّحت في ذلك الصباح، استوى في مقعده وهو يرنو إليها في فرح، وطافت على ثغره ابتسامة شجية، وتراءت له الصغيرة في صالة الوصول، تهرول نحوه بفستانها الوردي فاتحة ذراعيها، تشبَّثت بعنقه وراحت تلثم وجهه ورأسه في فرح شديد، حملها بين ذراعيه وطاف بها صالة المطار كراقص تنورة ماهر، جلجلة ضحكاتها مع ضحكاته تعزف سيمفونية عذبة أثارت انتباه الجميع من حولهما، وفي طريق العودة إلى البيت أبت إلا أن تجلس في حجره، وتنعس مطمئنة على صدره.
لكن ابتسامته تلاشت عندما طفرت على ذاكرته عودته الأخيرة، يسوقه شوق سبع سنوات تامات من الاغتراب الإجباري، بعدما تنازل طوعًا عن إجازته السنوية ليُلقي عن كاهله أقساط تلك البناية الفاخرة، وتبعاتها من سيارة حديثة وحياة مترفة، كلما أصابه الشوق إليهم وهمَّ بالرجوع تقول زوجته:
-
عام آخر من أجلنا.
تهلل وجه الطفلة التي كبرت وهرولت نحوه وهي تصرخ في فرح: بابا.
ألقت بنفسها بين ذراعيه لكنه لم يستطيع أن يحملها، حاول رغم إصابة ظهره بالوجع فتملَّصت من ضمته الشديدة لها في خجل، وتركته ليعانق أخاها.
برد فنجان القهوة بين يديه ولفحته الشمس بلهيبها، ما زالت المدينة الراقية غارقة في هدوءها، تراجع بمقعده بعيدًا عن الزهرة الوليدة والشمس، وظل في شرفته يرنو إلى الفراغ حتى أصابته غفوة طويلة وعميقة، استفاق منها على صوت زوجته يأتيه من بعيد قائلًا:
-
أنا خرجت إلى النادي.
-
والأولاد.
سألها في يأس فأجابته بدون اكتراث:
-
خرجوا.