زحفت خلف الخواء المتبقي في حدقات الشوق القادم من غياهب الأمل ، والمنتهي سرابا في صحراء مترامية ، نهاياتها بلا ملامح ، بعد تردد بحجم الوجع الطافي على أمواج مخيلتي الراكدة ، وعلى تقاسيم الحلم القادم من الغياب ، راح يدعوني بتودد ، ويطرق أذني صداه الحالم ، يستحثني للحظة لقاء طال انتظاره وتشعبت قصصه وتعاقبت فصوله ، بعد يأس ممل ، وعجز مرير ، في اقتناص لحظة تاريخية من زمنها المزدحم ، انه ألتوق واللهفة نحو المجهول في لحظة غامضة ، فلقد تنامى إلي دعوتها مختومة بتوقيعها الذهبي : ” عند ضريح المحتاجين في يوم الخميس عصرا “.
تحفزت حواس جسدي وتهيأت مسامات الشوق والرغبة ، وانطلقت في ذات الوقت صوب الجسر ـ الحد الفاصل بين العزلة واللقاء ـ فاغتنام الفرص خير من ضياعها ، وخير وسيلة لكسب الأهداف ، بعد فرز سجلات الصور ، وفحص العبارات والجمل ، وتهيئة الخطاب المؤثر، وإحضار كل ما هو حادث ومتوقع .
وقبل لحظة العبور ، العبور إلى ضفة الحلم المنشود ، يقف الحاجز بين الجنة والجحيم ،جسر طال سجوده ، وطأته أقدام العابرين ، ومرغته إطارات الجنون الطائشة ، يألم و يشتكي في صمت وانين مكتوم ، توقفت مركبتي قبل امتطاء صهوته ، أوقفتها أكف مريضة عنوة ، تقطر دما ، خلفها الوجوه الملفعة بالتخلف ، المقنعة بالعقائد ، تحدق من خلف الحجب الظلامية بحقد وكراهية لكل ما يمت للحياة بصلة ، ومن لحظتها كبلوا يدي واقتادوني !! .
نفس قدسها الرب وأودع فيها من روحه وفضلها على الكائنات كافة تتوارى في أتون قسري ، وتسقط من أكاليلها العالية في مراثيها السحيقة ؟ ! في لحظة لا تشريع لها ، صور تتبعها صور ، وفواجع لا أمل في إلغائها ، اصطبغ الأفق بغمام اسود ، وامتلأ الهواء بسائل احمر ، يسيل نحو أديم المعمورة ويختفي في أعماقها ، تاركا صرخة استغاثة ، لأصحاب الضمير!! .
وامتدت صيحات الحوب تنادي الإنسانية بنحيب صمت ـ لا عودة لعصر الكهوف والصيد ـ . والغريب في عرف المتخيل أن يتعدى الفعل حدود المعقول واللامعقول في جغرافية النص ! وأشباح تتصدر السيادة ! ، وغياب المرتجى ! .
مضوا بعيدا .. بعيدا ، وأنا معصوب العينين ، ساعتها افرغ رحم رأسي من جميع الصور إلا من وجهها الطافح بالبشر والصفاء ، ظل يسبقني خيالها ، جوهرة نقية ، على امتداد الأفق شاخصا أمامي بملء صفحة السماء .
بعيدا عن المدينة والمدنية وخلف أسوار مهمشة لا حياة فيها سوى كتل الأزبال :
تفحصوا هويتي وصوبوا نحوي …….
أول أطلاقة اخترقت جسدي كوخزة إبرة ، وبعدها أغلقت مساماتي سجلاتها وتوقفت عقارب ساعتي عن حركتها .
استيقظت قبل حضور الممرض الخافر ، أدى الفحوصات السريرية ثم نظر إلي مبتسما وقال :” لقد زال الخطر ” ثم ناولني قدح شاي كان في يده وأردف : دفئ أمعاؤك “
لم يزرني غيرها ، عرفت ذلك من باقة الورد التي تركتها فوق الطاولة الصغيرة ، المركونة إلى جانب سريري ، تناولتها وبشوق شممتها ووضعتها على صدري ، زال الألم كله من جسدي وجدت فيها قاصة صغيرة ، كما كانت تفعل أيام المذاكرة في باحة الكلية ، كان فيها : ” إن الوصول إلى الأهداف العظيمة لا يأتي مجانا دون قربان ، وكانت إصابتك هي القربان لعودتنا سأعود قريبا وأكون إلى جانبك والى الأبد “.
، لولا انقطاع التيار الكهربائي وحضور عمال الصيانة لإصلاح البراد لكنت في عداد الموتى !!
كانت هذه فترة غياب عن الوجود الدنيوي ، بعد ان عثر عمال أمانة العاصمة على عدد من الجثث كنت واحدة منها ، تلك أياما قضيتها في عالم الغيب والشهادة كانت بالنسبة لي لحظات منذ سماعي صوت الانفجار في ساحة النصر وحتى لحظة انفراج الحاوية .
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون