مسابقة القصة

فصل بعنوان: البرتقال الفلسطيني..مسابقة الرواية بقل / المهدى عثمان من تونس

الاسم: المهدي عثمان
الدولة: تونس
الهاتف الجوال: 021698556796
الفئة: الرواية الطويلة

(فصل بعنوان: البرتقال الفلسطيني)

بغرفتها الموشّاة بأعلام فلسطين، وخرائط التقسيم وصور القسّام وعبد الناصر ودرويش وجيفارا، وبيان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. بغرفتها تلك ـ وكانت لا تزال بلباسها الرجاليّ، وشالها الفلسطينيّ ـ تتحرّك مُرْتبكة.
قدّمتْ لي قهوة، وهي تفكّ ضفيرتها وتسْحب الشال من جيدها لتلْقيه بإهمال على السرير، وهي تقول:
ـ دقيقة لأغيّر ملابسي.
واَنْصرفتْ..
تناولْتُ علبة السجائر.. أشْعلتُ واحدة، واَنْتصبْتُ ماسكا فنجان القهوة في اتّجاه المادة الأولى من الإعلان المُعلّق:
“يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق ( .. )”
ضحكتُ.. ثمّ أخْمدتُ ضحكتي لأحوّلها إلى سخرية صامتة بيني وبين نفسي. لم أفهم” الكرامة والحقوق” ولم أفهم ” لكلّ فرد الحقّ في الحياة”.. وسخرتُ من الإعلان، بدءا بديباجته وصولا إلى آخر مادة فيه، وارْتميْتُ على السرير.
دخلتْ “لينا” تسْبقها سيجارتها المُشْتعلة، ولباسها المُغْري يكشف كامل تفاصيل جسدها.
اِرْتمتْ بجانبي.. قرّبْتُ إليها المنْفضة قليلا، وتناولتْ فنجان قهوتي مطأطئة بصمْت، فيما توشك سيجارتها أنْ تنْفجر.
قلتُ:
ـ لماذا كلّ هذا الحزْن؟ ما المشكلة؟ وما حكاية الصورة التي أريتني إياها في مقهى باريس؟
ـ حكيْتُ لك قصّة عائلتي في مناسبة فارطة؟
ـ أذكر ذلك في مناسبة بعيدة.
ـ .. وتعْلم أنّ أختي القاطنة مع أمي في منزل جدّتي، هيّ مــن تبقّى من العائلة. وطبعا أنا وشقيقي النازل ضيفا على السجون الإسرائيليّة.
ـ أذكر ذلك أيضا… وبعد؟
ـ ألم تفهم؟
ـ في الحقيقة.. في الحقيقة، لم أفهم قصدكِ.
ـ ( اِبتسمتْ بسخرية، وهي تدسّ أنف سيجارتها في المنفضة )
أختي “ماجدة” اِنضمّتْ إلى حركة الجهاد الإسلامي، ونفّذتْ عمليّة اِنتحاريّة في حيّ تجاري.
ـ وكيف تفعل ذلك ؟ لماذا هذه الرغبة المُفرطة في الاِنتحار؟
ـ وهل تُسمّي العمليات الجهاديّة اِنتحارا؟
ـ بطبيعة الحال…( تداركتُ ) في حالات دون غيرها.
ـ ( بغضب ) وما هذه الحالات ؟
ـ العمليات التي لا تُقدّم شيئا لحركة النضال الوطني والإنساني، أعتبرها اِنْتحارا.
ـ المؤسف أنّ العمليّة لمْ تُسْفر إلا عن جرح ثلاثة مواطنين إسرائيليين.
( وتداركتْ بمعنويات مُرتفعة ) لكنّ النتائج المعنويّة والسياسيّة، أكبر من ذلك بكثير.
ـ أيّ نتائج ؟ ( قلتها بسخرية )
هل هيّ ما نتج عن اِتّفاقيات أوسلو؟ أم شرم الشيخ ؟ أم خارطة الطريق؟ أم تكرّش القادة الفلسطينيين، واسْتئثارهم بالثروة، على حساب المواطنين الأبرياء والعاطلين والمُشرّدين؟
هل هذه نتائج ؟
ـ نحن لا يهمنا الأوغاد، ولا السياسيين.. فقط، تهمّنا القضيّة و الانسان الفلسْطيني.

غطّتْ وجهها بكفّيها، وانْخرطتْ في هسْتيريا من البكاء. فيما بقيتُ جامدا، وقد خانتْني الكلمات واللغة والقواميس.. لم أجدْ فاتحة للكلام، ولا بما أوشّح هذا المشْهد الدراميّ.
لا أعتقد أنّ أيّ لغة بإمكانها تشْخيص المشْهد أو رصده، ولا أيّ شاعر ولا أيّ كاتب. فقط، ربما الصمتُ خير مُعبّر عمّا أعيشه.
مددْتُ ذراعي اليسْرى لأحتضنها، فطاوعتْني ودسّتْ رأسها في صدْري.
كمنْ يحتضن الخارطة ويحْتضن الشرْق، كنتُ أتحسّس أصابعي مخافة أنْ تحْترق. فيما لا تزال” لينا ” تتْرك العنان لدمعها كيْ ينْهمر، ويسْقي تُربة جسدي.
لنْ يُنْبت جسدي غير العرَق .. لنْ يُثْمر البرتقال الفلسطينيّ ولا رمّانه.. ولن تخْرج من مسام الجلد أيادي لحمل السلاح أو حمل الحجر..
هذا الجسد العربيّ المُلقى حذوكِ، ليس شيئا آخر غير طينة “أفسق فيها الوعْي سنينا” وباتَ كمرْكب حطّمتْه رياح الهبوب..
إذن، اِنتفضي لوحْدكِ أيتها النجمة، وأضيئي حيث ما شئتِ، واَتْركيني ألوك هزائمي واَنْكساراتي وعجْزي.. ما أعظم قدراتنا الجنْسيّة، وما أرخص وعْينا وهممنا.
أخيرا، حرّكتْ جسدها ودسّتْ أصابعها في وجهها تمْسح دمْعها.. رفعتْ رأسها، فاسْتحال وجهها بريقا من الدمْع والتورّد والخوف.
لا تفْصل شفاهنا عنْ بعْضها، غير إطلالة فراشة هاربة من الضوء.. قرّبْنا شوقنا أكثر، وذبْنا في ملكوت الرّغبة، فيما كانتْ يدي تفكّ أزرار تبّانها.
غيْر أنّ اِرْتماء بصري على الخرائط المعلّقة على الحائط، جعلني أتراجع مُرْتبكا، في اِتّجاه سيجارتي علّها تحميني من اللّحظة السّاخنة..
سحبتْ “لينا” جسدها ونهضتْ في اِتّجاه أشْرطة الكاسات، مُحاولة تغْيير الجوّ الخانق، وهْي تشغّل آلة التسْجيل:
ـ سأسْمعكَ أغنية من التراث الفلسْطينيّ.
ـ كيف حصلتِ على صورة ” ماجدة ” ؟
ـ ( ردّتْ باقْتضاب ) من الأنترنات.
ـ ( باسْتغراب ) من تونس دخلْتِ إلى تلك المواقع؟
ـ بالطبع…
ـ لا أصدّق
ـ ولماذا؟
ـ هذه مواقع لا يُمْكن النفاذ إليها.. إنها مواقع إرهابيّة ..
ـ دعْكَ من الخزعْبلات.. لنْ يحْصل لي أكثر مما حصل. المهمّ.. اِنْزع عنكَ غروركَ قليلا، وادْخل معي للمطبخ لنجهّز العشاء.. يكْفينا بكاء وشهداء.
ـ ( قلتُ مُتهكّما ) وهل تُحْسنين الطبخ ؟
ـ جرّبْ، وسترى.. وتماديا في التنْكيل بكَ، سأطبخ لكَ أكلة فلسْطينيّة، كانتْ أختي ماجدة تعْشقها إلى حدّ الجنون.

انتصبت واقفا في اتّجاه أشْرطة الكاسات، أختار واحدة تساعد على الخروج من هذا الجوّ التعيس. وتعمّدْتُ سحب الشريط الذي وضعتْه “لينا”، لكنها لم تُعلّق.
قلتُ:
ـ نختار الموسيقى أوّلا ثمّ ألتحق بكِ.
كانتْ أشياء كثيرة أمامي، غير أني فضّلْتُ ” سيلين ديون ” للخروج من الجوّ العربيّ المليء بالأحزان والنّقمة. فصدحتْ تلك السويسريّة الرائعة:

J’ai compris tout les mots, j’ai bien compris merci
Raisonnable et nouveau, c’est ainsi par ici
Que les choses ont changé que les fleurs ont fané
Que le temps d’avant, c’était le temps d’avant
………..
Pour que tu m’aimes encore

بصوْت أقرب لانْسياب الضباب فوق “فينيس” أو “لندن” … أو بانْسياب، كدخول الشمس إلى بوتقة مُظلمة.
فيما كنتُ أساعدها على غسل الأواني لتجهيز العشاء، كانت لينا قد دخلتْ في جوّ مختلف عما كانت فيه من الحزن والخوف والريبة، وكأنّ أغاني “سيلين ديون” قد فتحتْ لها في الآفاق وفي المطلق نوافذ على الأمل والمسْتقبل.
كانت تسْرد لي قصّة عائلتها بابتسامة، أنا الوحيد الذي يعرف ماذا تخفيه:
ـ حين تمّت تصفية والدي في لبنان بقلعة الشقيف، كنت لا زلتُ صغيرة جدا لا أفقه في السياسة والأحزاب والثورة عدا عائلتي الصغيرة في منزلنا القديم بحيّ عربيّ نزح أكثر من نصف سكانه تحت تهديدات الصهاينة واعتداءات المستوطنين اليهود.
ذات عيد توجهت أنا وأمي ولأختي ماجدة إلى المقبرة حيث ندفن كل أهالنا وأقاربنا. وكانت الزيارة للترحم على بعض الشهداء من العائلة الموسّعة.
أذكر وأنا في عمر لا يتجاوز الثانية عشر ربيعا، سألتُ أمي عن قبر والدي.
صمتت أمي برهة قصيرة، وطأطأت وهي جالسة حذو قبر أحد الأقارب، وأحسستُ أنها ترغب في البكاء، لكنّ دموعها ما طاوعتها ربما من فرط ما ذرفتْ.
علمتُ منها حينها أنّ والدي دُفن في لبنان على أيدي أحد التنظيمات اليساريّة في مدينة صيدا. ولا أحد من عائلتي يعرف ضريحه غير رفيقه أبو الفتح الذي عاد إلى غزّة بعد اتفاقيّة أوسلو وقدْ طلّق العمل السياسي إلى الأبد.

تدخلتُ حينها، وقد توقّفتُ عن إكمال غسل الصحون:
ـ كيف يمكن لمناضل أنْ يتوقّف فجأة عن النضال والعمل التنظيمي؟
ـ ( وضعتْ لينا السكين الذي بيدها على فخذها الأيمن ) قطعتْ رجله وأصيب في الأخرى التي فقدتْ قدرتها عل الحركة. وقد حكى لي أبو الفتح أنه أصيب في انفجار سيارة مفخخة كانت تسْتهدف أحد القادة الفلسطينيين.
وهو الآن مُقعد يتنقل على عجلات. هذا إضافة إلى أنّ أغلب رفاقه وقع تصفيتهم، وظلّ البقيّة يرفضون دخول فلسطين ما دامت تحت الاحتلال.
( بقيت صامتة بعض الوقت وهي تعالج ورقات من البقدونس، وحين أكملتْها التفتت إليّ مكملة كلامها )
ـ ألم تكمل غسل الصحون؟
ـ بلى أكملتها.
ـ إذن…
ـ ( قاطعتها وكأنني أقصدها بالكلام )
لا أفهم كيف تسْتقيم الحياة في ظلّ كل هذا البؤس وهذه الأحزان، ولا أفهم كيف..
ـ ( قاطعتني بدورها لتجيب عن تساؤلي أو ربما لتسْخر مني ) أنا لم أخبرك عن منزلنا الذي فجّروه بما فيه، بعد أنْ سمحوا لنا بجهد جهيد أنْ نُخرج ما خفّ وزنه في عشر دقائق فقط.
( وقد حاولتْ أنْ تمنع دمعة تدحرجتْ على خدّها ) حاول أنْ تتخيّل كيف يفقد الإنسان بيته في رمشة عين.. يفقد المكان الذي ولد فيه والذي رتّب فيه أشْياءه وأحلامه وذكرياته مع الغرف والجدران ودالية العنب والشبابيك وسطح المنزل الذي يشرف على حقول الزيتون التي فعلتْ فيها الجرافات ما فعلتْ وحوّلتها إلى أرض بور.
هكذا في لحظات تُجبَر على أنْ تقتلع ذاكرتك من مكانها عنوة. وكان لا بدّ في مساحة العشر دقائق أنْ أنقذ صورة والدي والقائد ياسر عرفات..
ـ ( تساءلتُ بدهشة ) ياسر عرفات؟؟؟
ـ نعم..
ـ أنا أعرف أنكِ لا تنتمين لحركة فتح.
ـ ولو.. ياسر عرفات يبقى قائدا وزعيما رغم الأخطاء. وها قد ذهب ياسر عرفات، ورأى العالم أيّ دور كان يلعبه حتّى وهو تحت الحصار تطوّقه المدفعيّة الإسرائيلية.
( صمتت برهة ) لذلك ترى أنّ كلّ الفصائل الفلسطينية تحترمه حتّى وهي تختلف معه.

أكملْنا الليْلة بين الفنّ والشعر والذكريات المؤلمة.. لمْ نتحدّثْ مُطلقا عن الفرح، غير ما صدحتْ به الأغاني.
وحتّى الأغاني التي كانتْ تُؤنسنا، أغلبها لفنانين غالبوا الوقْت حتّى كاد يغلبهم.
اِسْتمعْنا إلى مرسال خليفة والشيخ الضرير وفيروز، وأحيانا “سيلين ديون” و
“جون ميشال جار”.. كانت الليلة مزيجا من الأحزان والفوضى والبكاء، إلى آخر ساعات الليل. ولم تغبْ “ماجدة” عن حديثنا، بل كانت كلّ الحديث.
حكتْ “لينا”، وكنتُ ممدّدا فوق السرير على ظهري:
ـ لم يكن أحد يتوقّع أنْ تُقْدم “ماجدة” على تلك العمليّة.. لا أحد صدّقها..
“ماجدة” أختي، تبْدو مُسْتهترة وفوضويّة. ومنذ أنْ أكملتْ تعليمها واشْتغلتْ مُمرّضة، لمْ تعدْ تهتمّ بغير مظهرها وأناقتها، وكأنها لا ترى الجرْحى والموتى والكوارث التي تصلها يوميّا إلى المسْتشْفى.
ـ يعني نُقْصي فرضيّة الفقر من الأسباب المُؤدّية إلى الإرهاب.
ـ ( بغضب ) أما زلتَ تقول إرهابا ؟
ـ لينا ..هذا كلامهم. نحن نعرف ماذا تُسمّى هذه العمليات.. لا عليكِ أكملي.
ـ الغريب أنّ أختي “ماجدة”، لمْ تلبس الخمار ولم تُدمن الصلاة.. فهي لا تُصلّي أصلا. لهذا صدمتني صورة “ماجدة” المنشورة على الأنترنات.. صورتها وهي متحجّبة.
ـ إذن، نُقْصي فرضيّة كون الانتماء الدينيّ هوّ الذي يؤدّي إلى القيام بهذه العمليات.
وبعد…
ـ وبعد..( قالتْها بتأفف ونقْمة، ثمّ تمدّدتْ بجانبي ) اتضح أنها انضمّت إلى حركة الجهاد الإسلامي.
وبعد، نفّذتْ ماجدة العمليّة، وقدْ تركتْ وصيّتها مُسجّلة، ونُشرتْ على الأنترنات بموقع حركة الجهاد الإسلامي.
وكالعادة.. هبّتْ القوات الإسرائيليّة لتفْتيش المنزل وإخراج أمي وجدّتي، ثمّ فجّروه بما فيه.
ـ لا حول ولا قوّة إلا بالله.. وأين اسْتقرّتا ؟
ـ …. ( تجاهلتْ سؤالي ) ….
ـ وطبعا، ندّدتْ السلطة الفلسطينيّة بالعمليّة وشجبتْها، معتبرة إياها اِسْتهدافا للأبرياء العزّل ولا ننْسى أنّ بقيّة الأنظمة ســ ..

لمْ أكمل كلامي .. فــ “لينا” اِنْخرطتْ في النوم دون اِسْتئذان.
المسْكينة، بكتْ كثيرا هذه الليلة، وليس بوسْع أحد غيرها أنْ يتحمّل كلّ هذه الكوارث.
كانتْ مُنطوية بجانبي، تدسّ رأسها في كتفي كعصفورة تبْحث عن الدفء.. مسحْتُ على شَعرها وخدّها، ثمّ دثّرْتها مُسْتحضرا أغنية فيروز:
يالا تنامْ ريما يالا يجيها النّومْ
يالا تحبّ الصَّلا يالا تحبّ الصُّوم
يالا تجيها العوافي كلّ يوم بيومْ

صباحا، كانت الساعة تُشير إلى السابعة. و”لينا” ما زالتْ ممدّدة كنهر قبل الشروق. تسلّلتُ خلسة لأكتب لها ورقة، ضمّنْتها هاتفي الجوال وعنْواني، وخرجْتُ.
كانت العاصمة ما زالتْ لم تدبّ الحياة فيها.. وفي اتّجاه نزل أفريكا بشارع بورقيبة، اِعْترضتْني سيّدة يبْدو من ملامحها أنها مومس، أكملتْ مُهمّتها الهادفة هذا الصباح، أو أطردها أحدهم بعد أنْ نَهَل من لحمها الغضّ.
رائحة الخمر ما زالتْ تعْبق، رغم محاولة عطرها الصارخ أنْ يسْترها ويسْتر رطانتها. قالتْ وهي تحاول أنْ تسْتوقفني:
ـ صباح الخير
ـ صباح الخير
ودون أنْ أتوقّف أو أترك لها فرصة أنْ تضيف، واصلتُ سيْري غير مُبال، مقارنا بين سيّدة في فلسْطين تنْفجر من أجل قضاياها، وأخرى في تونس تنْفرج من أجل الدولار أو من أجل شهوتها.
وحدّثْ ولا حرج عن الطالبات ونساء النزل والأحياء الراقية والمومسات المُنْتشرات في المقاهي والفضاءات العموميّة والطرقات أينما سرتَ.
اِقْتنيْتُ صحيفة تونسيّة وعلبة سجائر، ودخلتُ مقهى “أفريكا”.
عدد الرواد لا يزيد عن العشْرة، والنادل يتنقّل بأناقة تسْبقه اِبْتسامة ما عهدْتها عنْد نادل.
المكان يُعْطي اِنْطباعا بالراحة والهدوء. وبعيدا عنْ أعين تعْرفكَ أو تعْرفها. لا أحد من أصدقائي أو رفاقي يعرفني أرْتاد هذا المكان، ولم أدْخلْه إلا مرّة واحدة مع صديق شاعر تعرّفت عليه في زحمة الحراك الثقافي التونسي الراكد كالمياه الآسنة.
فور جلوسي، وصل النادل مُبْتسما:
ـ صباح الخير.
ـ صباح الخير.. “إكسبراس” من فضلك.
ـ حاضر.

فتحْتُ الصحيفة على أخبار عهدْتها.. ولا شيء تحت الشمس. لا أذكر أني قرأتُ خبرا مُهمّا بصحيفة تونسيّة، عدا أخبار الرياضة.
فيما سحبْتُ سيجارة لأشْعلها، وصل النادل… رتّب القهوة بأناقة وانْصرف. فيما أكملتُ تصفّح الجريدة مُدجّجا بالنقمة والكره:
صفحة الغلاف تتصدّرها صورة رئيس الجمهوريّة وثلاث صور اِختيرتْ من مقابلات كرة القدم، وأخرى صورة لمُصاب فلسْطينيّ من بيت حانون ( هكذا قالوا ).
فيما تحضر صورة صدام حسين أسفل الصفحة متْبوعة بنبوءة مُنجّم مغربيّ: “صدام سيموت مسموما بأياد أمريكيّة”.
وفهمتُ أنْ لا شيء يسْتحقّ الاِهتمام، في صحيفة كغيرها من الصحف الملأى بخزعبلات السياسيين وانجازاتهم التاريخيّة وصور كرة القدم وأخبار النجوم والمنجّمين.
كنتُ أردّد دائما أنّ الخبر الصحيح الوحيد في صحافتنا التونسية، هو أخبار الموتى.
فتحت الصحيفة على افتتاحيتها بقلم رئيس التحرير، يمجّد و يبارك و يدعو لفخامته بطول العمر ولحرمه المصون، داعيا إياه إلى الترشح لانتخابات الرئاسية القادمة، دون أن ينسى التنديد “بالغربان الناعقة” من الحقوقيين والنقابيين الذين لا يريدون الخير لهذا البلد.
شرعتُ أتصفّح الورقات دون اِهتمام، حتى أدركتُ خبرا عن الندوة الفكريّة التي عقدها أحد الوزراء، ملخّصها “تونس توفقتْ لأنْ تُساير جملة التغيّرات الإقليميّة والدوليّة”
عندها ألقيت الصحيفة جانبا، وقدْ مثلتْ أمامي مواقف الزعيم بورقيبة و ريادته في اتّخاذ القرارات الصائبة.
كيف اِختار ذلك الزعيم أنْ يساند الحلفاء في الحرب العالميّة الثانية، وكيف كان قادرا على التنبّؤ بهزيمة المحور.
تذكّرتُ موقفه من الحرب الفلسطينيّة الإسرائيليّة، وكيف طالب العرب بقبول قرار التقسيم الذي فرضتْه الأمم المتّحدة، ورفضه العرب جميعا. ورغم الاتهامات المختلفة بالخيانة والاِنهزاميّة، إلا أنّ التاريخ أثبت صحّة مواقفه من الأحداث.
الغريب أنّ كلّ الرؤساء، يدّعون الحكمة والديمقراطيّة والدفاع عن حقوق الإنسان ودعم قضايا الشعوب و..
تخيّلتُ طفلا منحه الخالق قدرة المعرفة والكلام منذ يومه الأول، وتمّ وضْعه في قاعة ملأى بالشاشات التي تبثّ قنوات عربيّة مُخْتلفة.. طبعا سينْتشي هذا الطفل، ويقف مهللا بجمال هذا العالم.. إنها الجنّة.. سيعتقد لا محالة أنه وُلد في الجنّة على خلاف خلق الله جميعا.
كلّ الأمور على ما يُرام: حكامنا وشعوبنا ولا شيء يُقلق راحة هذا المواطن العربيّ عدا أنّ دولته لا مشكلة لها.
أفقْتُ من حلم اليقظة على النادل يفتح جهاز التلفاز، على قناة الجزيرة القطريّة، حيث ينْقل مراسلها من طهران آخر أخبار الجدل القائم بين إيران والغرب حول الملفّ النوويّ.
حين أكمل، اتّصل معدّ البرنامج هاتفيا بمحلل سياسيّ عربيّ يُدافع عن إيران، مُعتبرا إياها مُنْقذ الأمّة من أعدائها. كان يدافع بحماس منْ يُدافع عن أمّه وهي تُغتصب.
لحظتها جالتْ بخاطري فوضى من الأحداث والمواقف والتحاليل، لم أسْتطع ترْتيبها:
مثلتْ الفتْنة الكبرى والحسن والحسين وعليّ وعائشة وعثمان وقتل الصحابة غدرا أو ردّة..
حضرتْ حضارة الفرْس وتاريخ الشيعة والشاه والحرب العراقيّة الإيرانيّة..
حضرتْ الأحياء والمدن الشيعيّة في العراق، وحَضَر حزب الله وحسن نصر الله والخميني..
حضرتْ “طنب الكبرى” و “طنب الصغْرى” و “أبو موسى”..
حضر سليمان رشدي وفتوى الخميني بقتْله..
تأمّلتُ ذلك المحلل الأنيق بربْطة عنق أمريكيّة، وبدلة أنيقة من محلات باريس الفاخرة، مُضافا إليها لباقته وقدرته على المُناورة بلهجة عربيّة منمّقة بكلمات إنجليزية ليكتمل مشْهد المثقّف العضْوي.
تأمّلتُ.. وكدتُ أصْفعه بمنْفضة السجائر التي أمامي.. غير أني تراجعْتُ، مُشْفقا عليه وعلى المستمعين الكرام:
أحدهم بزيّ شيوعيّ اِهتَرَأ ولفّه الصدأ، لا زال يلوك خطابات لينين وماركس وتروتسكي وبيانات الحزب الشيوعي، ويحلف بماو ويعظّم فيدال كاسترو..
أحدهم بزيّ القوميين العسْكريّ، يزور قبر عبد الناصر أو يغرق في ترهات عصمت سيف الدولة أو يتباهى بنظريات ميشال عفلق..
أحدهم بجبّة عثمان، ولحية عمر عبد الرحمان، يخطب في الناس زورا وبهتانا، ويُدافع عن تعدد النساء وزواج المتعة، وينادي بالخلافة السادسة.. ولا خلافة ولا هم يخلفون.
ومن تبقّى فشعارهم عاش الملك، مات الملك: مرّة في خانة الأمريكيين الأحرار، وأخرى مع التطبيع وضمّ دولة اليهود إلى الجامعة العربيّة، وطورا في حظيرة السلطة، يتمعّشون من لحمها الغضّ، قبل أنْ تسْقط بموت الملك أو بالاِنقلاب عليه . لينْقلبوا كما اِنْقلبوا، وكأنّ شيئا لم يكن.
تذكّرْتُ أحدهم، لا أسْتحضره ـ ربما أحد المعْتوهين أو العاقلين، وهو يقول:
ـ أنا أنتمي إلى “حزب الديك”.
ـ وما حزب الديك ؟
ـ أنْ تأكل وتشْرب وتتدرّب على كره الوطن.
ـ ( أجبتُ مُسْتغربا ) وهل كره الوطن يسْتحقّ الدربة ؟
ـ بالطبع.. مثلما تتدرّب على حبّ اِمرأة، تساعد نفسك وقلبك على أنْ تحبّها أو تتقرّب منها. بالمثل تتدرّب على كره الوطن.. بمعْنى، تساعد نفسكَ وقلبك على أنْ تكرهه وتبْتعد عنه.
ـ بصراحة لا أعرف أحدا يكره الوطن. قد يكره الساسة أو الوضع العام أو أيّ شيء.. لكن الوطن مقدّس.
ـ ( ساخرا ) الوطن الـذي أعنيه أنا ليس الوطن الـذي فهمْته. لذلك أنا أنتمي “لحزب الديك” الذي له مفهوم خاص للوطن..

لم يتْرك ليَ النادل أنْ أسْتحضر بقيّة الحوار، حين اِقترب من الطاولة يرفع فنجان بعد أنْ نفذتْ قهوتي.
انْتصبْتُ واقفا.. ناولْته ثمن المشْروب، وانْصرفْتُ دون أنْ أنتبه أنني نسيتُ الجريدة سهوا أو مُتعمّدا.

تعليقات

تعليقات

الوسوم

همسه

همسة هى مجلة كل الناس وكل الأعمار . المهنية والصدق شعارنا .ننقل الخبر من مصدره الحقيقى ونسعى دوما للتجديد من أجل القارئ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق