كتاب المجلهكتاب همسة

الباعة الجائلون بين فوضى الشارع ومرارة لقمة العيش … أين الرحمة؟

كتبت / نور السيد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
​في كل صباح تتحول شوارعنا إلى لوحة مزدحمة بالأصوات والبضائع المفروشة على الأرصفة .. مشهد يتكرر يوميا يثير غضب البعض بدعوى الفوضى وإعاقة المرور
لكن خلف هذا المشهد قصص لا تراها العين المجردة فماذا عن أرملة تتكفل بأيتام تخرج تحت المطر أو في ظهيرة حارقة لتعود بقوت يومها؟

  وماذا عن عجوز أنهكته السنوات وما زال يحمل على كتفيه مسؤولية أسرة كاملة؟
وماذا عن شاب لم يجد فرصة عمل كريمة فاتخذ من الرصيف وسيلة شريفة لكسب رزقه؟
لا أحد ينكر أن انتشار الباعة الجائلين في الطرق العامة يسبب ازدحاما ويؤثر في المظهر الحضاري للمدن لكن التعامل مع هذه الظاهرة بالقوة وحدها لا يمثل حلا حقيقيا بل قد يزيد الأزمة قسوة حين تتحول الحملات إلى مصادرة البضائع وإهانة المواطن الذي لا يملك مصدر دخل آخر.. هؤلاء الناس لم يختاروا الشارع ترفا أو حبا في الفوضى بل دفعهم إليه ضيق الحال وندرة الفرص فالبسطة الصغيرة التي يقفون خلفها ليست مجرد بضائع معروضة للبيع بل هي أمل في سداد دين وثمن دواء ومصاريف دراسة ولقمة تنتظرها أسر كاملة في نهاية اليوم ..
كم من امرأة عادت إلى منزلها باكية بعدما فقدت رأس مالها البسيط في لحظة وكم من رجل وقف عاجزا أمام أسرته لأنه لم يستطع أن يوفر احتياجاتهم الأساسية بعد أن ضاعت بضاعته على الأرض ؟
إنها مشاهد موجعة تستحق أن نتوقف أمامها بعين الرحمة قبل أن نصدر الأحكام ..
المشكلة الحقيقية ليست في وجود البائع الجائل بل في غياب البديل المنظم والحل يبدأ بتوفير أسواق حضارية مجهزة تخصص لهم بإيجارات رمزية تحفظ كرامتهم وتضمن لهم مصدر رزق ثابت وفي الوقت نفسه تعيد الانضباط إلى الشوارع وتحافظ على حق المواطنين في المرور والتنقل.. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن دمج الباعة الجائلين في منظومة رسمية يعود بالنفع على الجميع فالدولة تستفيد من تنظيم النشاط الاقتصادي والمواطن يحصل على شارع أكثر نظاما والبائع يجد مكانا آمنا يمارس فيه عمله بكرامة واحترام كما أننا بحاجة إلى ترسيخ ثقافة التعامل الإنساني فاحترام المواطن ليس منحة بل حق أصيل تكفله القوانين والقيم الأخلاقية
تنفيذ القانون لا يتعارض مع الرحمة بل يكتمل بها ولا يقتصر الأمر على الباعة الجائلين فقط بل يمتد إلى ضرورة توفير فرص عمل من المنزل لسيدات كثيرات لم تتح لهن الظروف الحصول على مؤهل أو وظيفة حتى يتمكن من إعالة أسرهن بكرامة ويساهمن في دعم الاقتصاد الوطني نحن اليوم أمام خيارين إما أن نستمر في معالجة المشكلة بمصادرة البضائع وتشريد الأسر أو أن نواجه جذورها بحلول عملية تحفظ كرامة الإنسان وتنظم الشارع في آن واحد فالباعة الجائلون ليسوا أعداء المدينة بل جزء أصيل من نسيجها الاجتماعي وحماية النظام لا تعني سحق البسطاء بل إيجاد توازن عادل بين حق الدولة في التنظيم وحق المواطن في العمل الشريف وهنا يظهر معدن الدولة الحقيقية دولة القانون التي تطبق النظام لكنها لا تنسى الرحمة

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى