كتاب المجلهكتاب همسة

بين المحاكم والقبور ..بقلم / نور السيد

كتبت / نور السيد
ــــــــــــــــــ

لم تكن قوانين الأسرة الجديدة منقذًا للمرأة بل أصبحت قيدًا يجعلها عرضة للقتل والانتحار وقلة الحيلة وليست قوة
ما وراء الأسوار هناك سيدات معدومات الدخل لم يكن في استطاعتهن بسبب الظروف المادية اللجوء إلى القضاء ولم يجدن بيتًا يأويهن تغلق جميع أبواب الرحمة في وجوههن من أهل أردن اللجوء إليهم فلم يجدوا منهم سوى الهروب من كلمة مطلقة أو من زوج أناني يتلذذ بعذاب فريسته أو مجتمع قاس لا يعلم غير لوم المرأة التي أوصى بها رسول الله ولكن الجميع خان الأمانة
فأصبحت المرأة مهددة بالقتل إن لجأت إلى أبسط حقوقها الشرعية وهي الطلاق وهذا ليس بدافع الحب بل خوفًا من الرجل أن يصبح مشتتًا ومقيدًا بين قوانين جعلت الانفصال أكثر تعقيدًا فنحن في مجتمع أصبح فيه بعض الرجال لا يهابون الطعن في شرف زوجاتهم وهناك من وصل به الأمر إلى تصوير زوجته داخل بيتها لكي يجبرها على التنازل عن حقوقها وهناك زوجات لم يجدن منقذًا سوى الانتحار
والسيدات لا حول لهن ولا قوة
وأيضًا ما وراء كثير من الجرائم ضغوط تفوق طاقة البشر أعباء مادية ليست في مقدور الزوج أو الزوجة فتتحول الحياة إلى ساحة اختناق لا شراكة يصبح الطرفان غير قادرين على استكمال الطريق معًا لكن البعض لا يعرف معنى الرحيل بهدوء فتتحول النهاية إلى جريمة أو خيانة أو كراهية أو انتقام
وللأسف لا تنتهي معاناة كثير من النساء عند الطلاق بل تبدأ مرحلة جديدة من المطاردة النفسية والقانونية فهناك رجال لا يريدون دفع نفقة فيتحول الأمر إلى حرب استنزاف يتهرب من المسؤولية ويخفي مصدر دخله ويرهق المرأة بين المحاكم والقضايا والجلسات وكأنها تعاقب لأنها طلبت النجاة وفي المقابل هناك أطفال يصبحون الضحية الحقيقية لصراع لا ذنب لهم فيه يكبرون بين أب يرى النفقة خسارة وأم تحاول أن تقوم بدور الأب والأم معًا وسط مجتمع لا يرحم ضعفها
لقد أصبحت المحاكم ممتلئة بقضايا الطلاق والنفقة والرؤية والخلع والعنف الأسري حتى تحولت الأسرة التي كان يفترض أن تكون مصدر أمان إلى ساحة نزاع طويلة لا تنتهي بسهولة والسبب ليس القانون وحده بل تراكمات كثيرة منها الفقر وضغوط الحياة وسوء الاختيار والتسرع في الزواج والخيانة والعنف النفسي والجسدي وتدخل الأهل وغياب الوعي وتحول الزواج عند البعض إلى مجرد مظهر اجتماعي لا علاقة له بالمودة والرحمة
وهناك جرائم زوجية تهز المجتمع كل يوم زوج يقتل زوجته بسبب خلاف أو امرأة تنهار نفسيًا من كثرة الضغوط أو أب يحرم أبناءه من النفقة والاهتمام أو زوجة تدفع دفعًا إلى طريق مظلم بسبب القهر والخذلان وكل هذا ليس لأن الناس ولدوا مجرمين بل لأن القهر حين يتراكم داخل الإنسان قد يحوله إلى شخص آخر لا يشبهه
المشكلة الحقيقية أن كثيرًا من الناس أصبحوا يخافون من الطلاق أكثر من خوفهم من الظلم نفسه رغم أن استمرار بيت مليء بالإهانة والعنف قد يكون أخطر من الانفصال فكم من امرأة بقيت خوفًا من كلام الناس حتى انتهى بها الأمر ضحية لجريمة وكم من رجل تحمل فوق طاقته حتى تحول إلى شخص محطم نفسيًا
أنا لا أدافع عن الرجل ضد المرأة بل أدافع عن الإنسان حين يسحق تحت القهر والخذلان وأدافع عن المرأة التي مهما ادعت القوة ستظل أكثر من يدفع الثمن في مجتمع لا يرحم فالمرأة ليست آلة تتحمل إلى ما لا نهاية وليست مطالبة كل يوم بإثبات صبرها على الأذى
اتقوا الله في النساء فخلف كل امرأة صامتة حكاية ألم لا يعلمها أحد وخلف كل بيت هادئ ظاهريًا معارك لا ترى الأسرة لا تبنى بالخوف ولا تستمر بالإجبار ولا تحفظ بالفضائح والمحاكم بل تبنى بالمودة والرحمة وإذا غابت الرحمة سقط كل شيء مهما بدا كاملًا من الخارج
نور السيد

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى