توجه كعادته صبيحة كل آخر شهر ، إلى الوكالة البنكية ، المجاورة لمقر عمله .
اتخذ مكانه في الصف الممتد أمام شباك صرف الأجور .
بادل الموظف الجالس من وراء الواجهة الزجاجية تحية الصباح ، ثم مد له بيد أصبح بعض ارتعاش يصاحب حركاتها ، شيكا متضمنا للمبلغ المالي المراد صرفه ، و هو نفسه المبلغ الإجمالي لأجرته بعد خصم مستحقات قرض بنكي .
لم يكلف الموظف نفسه عناء الاطلاع على ما احتواه الشيك ، مكتفيا بالنظر إلى صاحبنا قائلا :
– و لكن يا سيدي أظن أنك قد علمت بأن كل المستحقات المالية لأجرة الموظفين هذا الشهر ، ستصرف على شكل بيض .
– بيض !
قال كذلك الحاج باستغراب مَنْ ليس متأكدا مما يكون قد سمعه أو قد فهمه بالضبط من الموظف الذي قال بهدوء مصطنع :
– نعم يا سيدي لقد أذاعوا الخبر في التلفزيون .
– مَنْ هم ؟
– الحكومة .
– كيف ؟
– كما سمعت يا سيدي ، أجرتك لهذا الشهر ستكون بيضا .
وضع سلة البيض أمام أنظار زوجته التي ظلت جامدة جراء عدوى دهشة انتقلت إليها من زوجها لوقت ليس باليسير، من كل الكلام الذي أسمعه إياها الحاج قبل قليل . لكن دهشتهما معا ستزول بمجرد أن انتشر خبر تعويض البيض للنقود في كل التعاملات اليومية استنادا إلى أمر حكومي غير معلل !
و انقضى يومهما و هما يوزعان البيض مقابل كل احتياجاتهما الشهرية المعتادة ، إذ دفعا أجرة الكراء ، و متأخرات البقال و .. و .. و بحلول الليل لم يبق بسلة الأجرة غير بيضتين .. !
فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون