مشاركتي لمسابقة مهرجان همسة للقصة القصيرة
محمد كرم جابر/ العراق
٠٧٧١٠٨٩١٤٧٥
رقم هاتفي والواتساب
رابط صفحتي في الفيس بوك
https://www.facebook.com/share/1WMSwPSkCW/
عنوان القصة
رحلة دينار.
خرج من المطبعة بلونه الزاهي ورائحته المائزة متبخترا، حافته كالشفرة مصقول كوجه مرآة، حاز على مكانه في رزمةٍ بين أقرانه التسعة والتسعين.
شعر بشيء من الراحة والتنفس عندما أفلته المدير العام من رزمة الراتب وهو يفركه بنعومة، وكأنه يدلك ظهره ويطقطق عظامه.
سرعان ما شعر بالأسى والانزعاج؛ عندما انبعج مدفونا في كف عامل القمامة، اشتد عليه الضغط وقد حشر بين كفٍّ خشنةٍ متسخة ومقبض عربة القمامة، بينما تطول مسافة المسير أغرقه تعرق تلك اليد التي ما أن وجدت الفرصة حتى دسته في قاع جيب السروال الجانبي، هناك شعر وكأن يد دفان تدعسه بقوة إلى تجويف قبر.
إن هي إلا ساعات حتى تم تحريره من ذلك الجيب دوناً عن الدنانير التي حُشرت معه بعشوائيةٍ، لا تعرف سوى الانبعاجِ، وظلمةٍ تسودها رائحة القمامة، تلقفته يد ذلك المتسول الجالس على ناصية الشارع، وبحركات هادئة حاولتْ إخفاء تكسرات انبعاجه؛ شعر براحة وشيء ذكره بمساج المدير العام، ثم استوى هادئا يتنفس الهواء الطلق؛ حين وضعه المتسول على قطعة قماش كست رقعة من الرصيف.
وهكذا بينما هو يتمتع برؤية المارة وسيقان السيدات البيضاء، إلى أن أتى المساء، استقر به المقام في درجٍ لمتجرٍ لبيع الخمور، وبعد يومين رزم مجدداً مع تسعٍ وتسعين من أقرانه كما أول نشأته.
ومن مصرفٍ حكومي إلى خزينة الدولة، إلى جيب رجل الأعمال الثري، وهناك في واحدة من أماكن الدعارة الخاصة جداً، والسرية جداً، دسّه مع كمشة من الدنانير في حمالة صدر تلك الفاتنة التي أنهى معها وطراً مثيراً، كان هذا خارج الحساب المتفق عليه مع المومس؛ لذا بقي الدينار دافئاَ في حمالة الفتاة، بينما هو يراقب تحركاتها؛ خرجت تقود سيارتها مسرعةً كعادتها، وفي الطريق سمع صوت فرامل السيارة المرتفع، عادت أدراجها بسيارتها لتتدارك الصريع الملقى بالشارع، كان الجميع يتجاهله خوفا من المساءلة، نزلت والدينار ومن معه مازالوا في حمالة صدرها، كان الصريع ينزف دماً لكنه استطاع الوقوف بعد أن تعكز على جسدها شبه العاري، حرر ذراعه من كتفها وافلتت هي خصره برفق ليتمدد على المقاعد الخلفية للسيارة.
كان الدينار يحدث نفسه:
يا إلهي، هل يجتمعان معاً؟ العهر والطهر!
إذاً هي الإنسانية التي لا يحددها دين ولا شرف، بل هي فطرة وسجية تولد مع النفس البشرية منذ أن وجدت الخليقة، هذه النفس التي قيل عنها أمارة بالسوء، هي ذاتها قد تجدها مشبعة بالحب والتسامح والإنسانية.
في اليوم التالي صباحاً، ذهب الدينار مع مبلغ تسديد فاتورة الكهرباء، ثم أكمل طريقه إلى المصرف المسؤول عن ودائع دائرة الكهرباء، وبعدها إلى جيب ذلك السياسي الكبير.
وفي مكانٍ مستتر، ليس بعيداً عن صراخ الثكالى، حيث كانت الحرب في أوجها، اجتمع ذاك السياسي الذي يحمل الدينار مع مجموعة من السياسيين، تناقشوا، ثم صاروا يعدون خلطتهم لتبرير الحرب، الخلطة التي مزيجها: الدفاع عن القيم، المبادئ، المثل العليا، تأريخنا، حضارتنا، حدودنا، سيادتنا، كل هذه المسميات الرفيعة السامية فوق الطاولة، وتحت الطاولة تقاسموا، تحاصصوا، حسبوا بالضبط ما يلزمهم من رصاص ودم ونعوش، ثم أكلوا وأكلوا حتى شبعوا، ونبشوا أسنانهم على طاولة جوع الفقراء.
من جيب السياسي، إلى ثمن تذكرة سفره إلى إحدى الجزر للاستجمام بعيداً عن رائحة البارود، إلى.. إلى.. إلى أن استقر في جيب ذاك الجندي، المرابط في الساتر الأمامي، حيث واحدة من الحروب التي ما إن تنتهي إحداها بنصر مزعوم، حتى تبدأ أخرى بزعم آخر، بأنها فرضت من قبل العدو.
كان الجندي قد أنهى للتو دراسته الجامعية، وسيق لأداء الخدمة الإلزامية، كشرط من شروط إكمال حياته بعد التخرج.
رق قلب الدينار لحال الجندي، الذي كان يحدث نفسه وهو ينظر لشعلة النفط التي بانت على مرمى بصره ليلاً:
تباً لك أيها الزيت الأسود اللعين؛ أموالك لجيوب المنعمين، ولا ينوبنا منك سوى رصاص ودخان، ثم يتلو لأحمد مطر وهو يمسك بقبضة تراب:
“نموت كي يحيا الوطن
يحيا لمن ؟
نحن الوطن !
من بعدنا يبقى التراب والعفن .
إن لم يكن بنا كريماً آمناً
ولم يكن محترماً
ولم يكن حُراً
فلا عشنا ولا عاش الوطن .”
حينها شعر الدينار بالأسى، وأحس أن نهايته قد قربت!
سقطت قذيفة مدفع بالجوار؛ مزقت شظاياها جسد الجندي، سقط التراب من كفه تباعاً، احترق الموضع، صارت النار تسري بالدينار شيئاً فشيئاً، قبل أن تحيله إلى رماد، شاهد شعلة الزيت الأسود اللعين، وودع وطناً لطالما حُمِّلَ جزافاً، وزر حروب خاسرة.