مسابقة القصة القصيرة

قصة : مابين الوهم والنور ..مسابقة القصة القصيرة بقلم / علياء أشرف شرف . مصر

مابين الوهم والنور

في قريةٍ صغيرة ينام فيها النيل بين الحقول كطفلٍ مطمئن، وُلدت قَدَر في بيتٍ متواضع، لأبٍ يزرع الأرض بيديه، وأمٍ لا تكف عن زرع الدعاء في قلب ابنتها. كانت قَدَر الابنة الوحيدة، معروفة بخمارها الساتر وصوتها الخافت حين تُلقي السلام، حافظةً للقرآن، مطيعة، لا ترفع عينيها كثيرًا. وكان أبوها كلما سُئل عنها قال مبتسمًا: هذه يا ناس، بركتي في الدنيا.
كبرت قَدَر وهي تعيش في دائرة الأمان نفسها، بين البيت والمسجد والحقل، حتى جاء اليوم الذي أُهدي لها فيه هاتف لتتابع دروسها. لم يتخيل أحد أن قطعة صغيرة من الضوء قد تكون بابًا لكل هذا الانقلاب. في البداية، لم يتغير شيء. تابعت صفحات دينية، قرأت آيات، وشاركت منشورات عن الإيمان، وكانت تشعر أنها ما زالت كما هي.
ثم ظهر أحمد.
لم يأتِ فجأة، بل تسلل بهدوء. تعليق لطيف، ثم رسالة قصيرة، ثم حديث أطول. كان كلامه ليّنًا، يعرف كيف يختار كلماته، ويضعها في الموضع الذي لا يثير خوفًا. كتب لها أن كلماتها تريح القلب، وأنها تشبه عالمًا نقيًا نادرًا. ترددت طويلًا قبل أن ترد، لكنها ردّت، ومن ذلك الرد بدأت الحكاية.
صار يسألها عن حفظها، عن التجويد، عن الآيات التي تحبها. كانت تجيب بصدق، وتشعر أنها تتحدث إلى من يفهمها. وحين حدثته عن أمنيتها أن تُتم حفظ القرآن كاملًا، قال لها إن قلبها جميل، وإن وجود أمثالها يصلح الدنيا. لم تنتبه كيف دخلت تلك الكلمات قلبها، ولا كيف صارت تنتظر رسائله كل صباح.
مع الوقت، أصبح وجوده جزءًا من يومها. إن غاب شعرت بفراغ، وإن حضر شعرت بطمأنينة غريبة. سألها مرة إن كانت تخاف أن تحب، فقالت إنها تخاف أن يكون الحب بابًا يبعدها عن الله. أجابها بأن من أحب في الله لا يبعد عن الله. لم ترد، لكنها شعرت أن شيئًا في داخلها اهتز.
بدأ يرسل لها آيات، ثم يكتب بعدها أنه تذكرها بها. أرسل تسجيلات قصيرة يمدح صوتها، ويقول إن فيه نورًا. كانت ترى فيه حلمًا طاهرًا، لا علاقة محرمة، ولم تنتبه أن النور حين لا تحرسه الحدود قد يعمي. حين طلب لقاءها رفضت، لكن إصراره، وقسمه بالزواج، وحديثه عن الخوف من الله، جعلها تتنازل عن ترددها.
التقيا عند ضفة النيل، في مكان كانت تجلس فيه قديمًا لتقرأ وردها وحدها. كانت السماء رمادية، والماء ساكنًا. قال لها بثقة إن الله جمعهما. نظرت حولها بخوف وقالت إنهما وحدهما، فابتسم وأجاب بأن الله معهما. لم تدرك أن تلك الجملة كانت أول خطوة في طريق السقوط.
تكرر اللقاء، ومع كل مرة كانت تخسر شيئًا من صفائها. لم يكن يطلب الكثير، فقط وقتًا، وكلمات، ووعدًا بالصبر حتى يتم الزواج. لكنها لم تفهم أن القليل حين يُؤخذ بالقلب يسلب الروح. بدأت تتغير، خفَّ التزامها، ثقلت روحها، وخلعت خمارها، محاولة إقناع نفسها أن الأمر بسيط.
وحين انكشف كل شيء، لم تحتج القرية إلى تفسير. الهمس انتشر، والكلمات القاسية سبقتها إلى كل بيت. عاد أبوها يومًا من الحقل بعينين ميتتين، لم يصرخ، لم يعاتب، فقط جلس صامتًا. وأمها بكت طويلًا حتى فقدت صوتها. في ليلة دخلت قَدَر على أبيها، جلست عند قدميه، وقالت بصوت مكسور إنها تطلب المغفرة. مسح دمعة وقال إن الله يغفر، ثم قال إنها كانت رحمته وصارت بلاءه.
بعد شهور رحل الأب، ثم لحقت به الأم، وبقيت قَدَر وحدها. تمشي مطرقة الرأس، تخاف المسجد، وتبكي ليلًا على رسائل قديمة. كانت تشعر أن الأرض تضيق بها. حتى جاءت ليلة شتاء، أمسكت فيها خمارها المعلّق، وضَمَّته إلى صدرها وبكت طويلًا، لا لأنها خُذلت، بل لأنها خذلت نفسها. قالت إنها إن خسرت كل شيء، فلا تريد أن تخسر رجاءها في الله.
من تلك الليلة بدأت العودة. صارت تقوم قبل الفجر، تصلي ركعتين في ظلمة الغرفة، وتسميهما سجدتي النور. كانت تبكي وتدعو أن يرد الله لها نورها ولو ببقايا وجعها. بدأت تذهب إلى المسجد خفية، تجلس في آخر الصفوف، وتشعر أن قلبها يُغسل مع كل آية.
2 / 2
وفي صباح يوم سمعت خبر موت أحمد بجرعة مخدرات. لم تصرخ، لم تنهار، فقط بكت، ودعت له بالمغفرة، ودعت لنفسها. شعرت أن عقدًا من الحزن انحلّ في قلبها. مرت الشهور، وعادت الطمأنينة إلى وجهها. صارت تُعلّم القرآن للأطفال، وتحكي لهم عن النور الحقيقي دون أن تحكي عن نفسها.
لم تعد الفتاة التي انكسر بها النور، بل التي أعاد الله إليها نوره. أدركت أن الأنثى ليست ضعفًا، بل روحٌ كاملة، وأن القلب أمانة، والنور إن كان من الله لا يُطفأ أبدًا.
الطالبة علياء أشرف شرف
العمر 16 عام
محافظة المنوفية
جمهورية مصر العربية
رقم التليفون:01034311234

hamsamag

فتحى الحصرى كاتب صحفى عمل بالعديد من المجلات الفنية العربية . الشبكة .ألوان . نادين . وصاحب مجلة همسة وناشر صاحب دار همسة للنشر ورئيس مهرجان همسة للآداب والفنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى