الاسم: حنان عماد خطَّاب.
اسم الشهرة: حنان خطَّاب.
الدولة: مِصر.
لينك الصفحة: https://www.facebook.com/profile.php?id=100050493275539&mibextid=ZbWKwL
نوع العمل: قصة قصيرة.
اسم القصة: ما لم يُصحَّح
نحن لا نُسجّل الموت، نحن نثبته لغويًا. الأسماء هنا حيّة على الورق، والأجساد عابرة بلا أثر. كل صفحة تنبض بثقلها، كل حرف يصبح كيانًا قائمًا بذاته، وكل نقطة تتأرجح بين الحقيقة والغياب. أضع القلم على الحبر، أتمعّن في السجل الممتد أمامي، أرى أسماءً بلا أصحاب، تواريخ تتلوّى بلا رحمة، ووجوه تتبدد بين السطور كما لو أنها لم تُخلق.
الهواء في الغرفة متجمد، ولا صوت سوى حفيف الأوراق. كل حركة للقلم تعني أكثر من مجرد كتابة؛ هي حكم على من لم يولد بعد، أو موت يُسجّل مسبقًا. أحيانًا أشعر أن الأسماء تنزف بين السطور، وكأن الورق تحول إلى جلد، والحبر إلى دم يسري في عروق الغرفة.
أقف للحظة، أراقب الصفحات كما لو كانت مرايا مظلمة، كل اسم هنا كيان مستقل، لكنه مقيد بالقلم الذي يتوه في الغرفة الباردة. وأتساءل بصمت: هل نثبت الحياة، أم نثبت الموت؟
الصفحات تتكدس أمامي، وكل ورقة تحوي خطأً صغيرًا قد يكون قاتلًا.
أسماء بلا أجساد، وأجساد بلا أسماء، تواريخ تتشابك، الحروف تتحرك أحيانًا وكأنها تحاول أن تنطق شيئًا لا يُفهم. أستشعر في كل لحظة ثقل المسؤولية؛ كل تعديل بالقلم يمس الوجود ذاته، كل نقطة تُفرغ الحبر من الورق وتغرس الصمت في العوالم الموازية.
أقف عند الاسم الأخير على الصفحة، شعور غريب يخترق عروقي. الهواء أثقل، كل نفس يعلوه صمت يضغط على الدماغ. لا أحد يسمع سوى الورق الذي يتنهد تحت يدي، والظلال التي تتلوّى على الجدار، والبرودة التي تتغلغل في أطرافي.
أسمع صدى خطواتي في الغرفة الصغيرة، أرى الظلال تتقاطع مع الحروف، وكل حرف يبدو وكأنه يطلب الإنقاذ من مصيره المكتوب. تتداخل الأصوات، همسات بين السطور، تحذيرات غير مرئية، وأحيانًا أظن أنني أسمع صرخات أسماء لم تولد بعد.
أتجه إلى الطاولة الثانية، أرى سجلًا مفتوحًا، الحبر ينزف بين الأوراق، ووجوه لم أعرفها تحاول الخروج من الصفحة، تتشبث بالحروف، تسحبني إلى عوالم أخرى، وأشعر بالفراغ يبتلع أي شعور آخر. أمد يدي، أقرأ الاسم الأخير مرة أخرى: توقيع، تاريخ، مجرد نقاط صغيرة لكنها تثقل عالمي كله، كأن العالم بأسره يسقط على الكتفين.
أقف أمام الصفحة، وكل الحروف تهتز تحت أناملي. الاسم الأخير ليس كما ينبغي، كيان يختبر حدود إدراكي. أسمعه يهمس لي: “أنا لست ما تعتقدين”. أتنفس بصعوبة، كل نفس كالثلج يغرس نفسه في صدري، أشعر بالفراغ يلتهم أي شعور آخر.
أدرك أن كل حركة للقلم هي مصير، وكل تعديل حكم قاسٍ. أريد أن أغلق السجل، أريد أن أتنفس، لكن أصابع اليدين لا تستجيب، الحبر ينساب كأنه دم، والأسماء تتردد في رأسي بلا توقف.
البرودة تتغلغل، والجدران تضيق، والصفحة الأخيرة تتحرك في يدي ككيان حي. شعور يختلط فيه الخوف بالعجز، والإدراك بالوحدة المطلقة. كل شيء هنا بلا رحمة، كل اسم ينتظر، وكل جسد لم يولد بعد يتحرك في فراغ غير مرئي.
أضع القلم أخيرًا، وأنظر إلى السطر الأخير. الصمت يكتمل، والبرودة تصل إلى عظامي. السؤال الأخير يخرج مني بلا صوت، لكنه يصرخ في عقل كل قارئ:
“هل مات صاحب الاسم، أم مات الاسم بدلًا عنه؟”
الورق ساكن، الحبر مجمد، والغرفة تتحول إلى صمت طويل. كل شيء هنا ينتظر، والأسماء تسبح في فراغ بين الحياة والموت، والبرودة تلتهم كل ما تبقى من يقين.